اليمن الحر الأخباري

نحو مصالحة تاريخية في العالم العربي!

د. عبد الله الأشعل*
بدايةً لا بد أن نعترف أن أزمة طاحنة تعصف بالوطن العربي لأسباب متعددة، أولها: أن أزمة العلاقة بين الحاكم والمحكوم تدفع المحكوم إلى السعي لتغيير الأوضاع، ووصلت أحيانًا إلى ثورات شعبية ضد الحاكم، ولكن الأخير تمسك بالسلطة واعتبر الشعب غير مُقدر لتضحياته. وهو لا يدرك أنه يفسد ولا يعترف بالشعب ولا يحترم قانونًا ولا يخاف يوم الحساب، فارتد أسوأ مما كان وانتقم من هذا الشعب لمجرد أنه طاف به الكيل في مواجهة استخفاف الحاكم وقام بثورة سلمية يطالب فيها بالتغيير. ولذلك إذا كانت هناك أزمة في العلاقة، فبسبب أن الحاكم لا يعترف بضرورة التغيير؛ بل زاد على ذلك أنه سعى إلى توريث الحكم، فنحن بصدد نظام جمهوري، لكن التلاعب بالدستور جزء من اللعبة.
هذا المقال يطرح بديلاً للانفجارات في وجه الحاكم، وهو أن مثل هذه الانفجارات تشكل خطرًا على الوطن، وتسمح بالتدخلات الأجنبية وتعمم الفوضى، ولا يوجد طرق تساهم في إحداث التغيير. ولنا في تجربة الثورات الشعبية العربية عام 2011، والثورات الكبرى في التاريخ عبرًا كثيرة.
الطريق البديل الذي أطرحه هو أن الحاكم العربي جزء من الشعب، وأن عوامل أبعدته عن المربع الذي يجب أن يقف فيه، وإجراء إصلاحات للحاكم والمحكوم معًا، حتى يعود الحاكم إلى أحضان شعب واع ومقتنع بأن طريق العنف لا ينتج ولا يليق؛ إذًا فأحسن إدارة عملية هي اللقاء بين الحاكم والمحكوم.
وفيما يلي المشكلات المحيطة بالحاكم والمشكلات المحيطة بالمحكوم، علمًا بأننا نطرح برنامجا هو بمثابة عملية Process قد تستغرق زمنًا، ولذلك لا بد من تثقيف الأجيال القادمة بهذا المنهج الحضاري والتاريخي، ونبادر إلى طرح تحفظين هامين، الأول: أن الحكام الحاليين لا يخاطبهم البرنامج، لكن حتى تفهمهم له يساعد في غرسه في مفاهيم السلطة المأزومة.
والثاني: أن إصلاح المحكوم يتطلب كف الحاكم عن اعتبار شقاء المحكوم سببًا في سعادته أو التعالي على المحكوم رغم شعارات التواضع، ولكن لا بد من الإشارة إلى أن عوامل ثلاثة أبرزت الأزمة الحالية بين الحاكم والمحكوم وعرّضت الأوطان للخطر، العامل الأول: هو زرع إسرائيل في المنطقة كي تكون رأس الحربة للمشروع الصهيوني؛ ولذلك رتب المستعمر العربي أوضاع المنطقة بحيث يستطيع المولود الجديد بمشروعه أن يدمر مناعة الجسد والعقل عند العرب عمومًا، خاصةً القاطرة الإقليمية وهي مصر.
العامل الثاني يتمثل في الغرب الاستعماري الذي يغير سياساته، ويعتمد على إسرائيل في استبعاد العالم العربي مقابل ضعف الإدراك العربي لهذه الحقيقة على المستوى الشعبي، أما بالنسبة للحكام فالغرب حريص على أن يسمح بظهور الحكام الذين يتجاوبون مع التوجهات الأساسية للغرب، وأولها: تمهيد الطريق العربي لاختراق إسرائيل واستئناس الحكام. أما العامل الثالث فهو المؤامرة الغربية الصهيونية على جوهر المواطن العربي ومكوناته الأساسية وتغييب عقله، بل واستغلاله في المؤامرة على العروبة والإسلام. والأخطر أن هذه المؤامرة يبدو أن الحاكم العربي يتعرض للإغواء أو للضغط للتساهل في تنفيذها، وربما دون أن يدرك أبعاد المؤامرة.
أولاً: أبعاد إصلاح الحاكم:
تنقسم مشكلة الحاكم العربي إلى خمسة
عناوين: الأول أن الغرب أقام شبكة علاقات ثنائية لكل دولة عربية، حيث صارت إيرادات الدول العربية للعمل الدولي المشترك محددة؛ ولذلك شكل الغرب عائقًا للعمل العربي المشترك بذريعة أن هذا العمل المشترك كانت تقوده مصر الثورية ضد الغرب وحلفائه المحافظين، أو بلغة عبد الناصر “الرجعيين”، وكان ذلك الحشد ضد إسرائيل؛ ولذلك حرص الغرب على إبرام معاهدات السلام مع إسرائيل تعبيرًا عن التقارب بدلاً من العداء العربي الإسرائيلي على حساب اتهام فلسطين، فأصبح التقارب العربي مع إسرائيل أثرًا من آثار تبعية العرب للغرب، وإن كانت قضيتهم قد تزعزت بالأزمة الأوكرانية والصراع الروسي الغربي بشكل أقسى من انقسام العرب بين المعسكرين إبان الحرب الباردة.
ثانيًا: أن الغرب تدخل بالكامل في بعض الدول العربية ومعه إسرائيل، بحيث يتحكمون في نظام الحكم لدرجة أن “بيجين” صرح على هامش كامب ديفيد عام 1978 بأن إسرائيل ستعود إلى سيناء إذا تغير نظام الحكم في مصر وصار النظام الجديد معاديًا لإسرائيل، فوضعت نظام الحكم في مأزق المرونة لإسرائيل أم الدفاع عن المصالح المصرية التي تجاريها إسرائيل.
ثالثًا: كان طبيعيًّا أن ينفصل الحاكم ونظام الحكم عن مصالح الوطن، ربما دون أن يدري لأن الغرب صنع حوافز للحاكم وضمن استقرار النظام، ويستحيل أن يظهر حاكم يعادي إسرائيل والغرب لأي سبب.
رابعًا: أن الاستبداد العربي ينتج آثارًا سلبية للغاية نحو قهر المواطن وتمزيقه من آدميته، وتوجيهه لصالح الولاء المنافق للحاكم والعدو، ظنًا منه أن تلك هي الوطنية الحقة. فإعلام الحاكم وأجهزة الأمن تضمن عدم ظهور معارضة له ولحلفائه الصهاينة والغرب. ويضعون قيودًا شديدة على السياسات العربية، حتى وصلت إلى حد وصف المقاومة لإسرائيل بأنها إرهاب. هكذا توصلت الجامعة العربية، بل وجعل الغرب أركان النظام العربي الممثلة في مصر والسعودية تطرد سوريا من الجامعة، وتمانع كلما ظهرت جهود لإعادتها.
خامسًا: عبادة الحاكم العربي للسلطة دفعه إلى الاستبداد، وهو أعلى درجات الفساد، ولكي يقبل الغرب نظامه المستبد الفاسد ويحمي فساده ونظامه ضد النقد الدولي، فإن الحاكم مضطر لأن يدفع من مصالح الوطن وثرواته لمسانديه في الداخل والخارج. وقد يكون الحاكم صالحًا، لكن وضعه في هذه الظروف يضطره إلى التحالفات الداخلية والخارجية، ويصبح نمط الحكم ومسألة حياة أو موت بالنسبة للحاكم.
ولكي نزيل هذه العوامل الخمسة، فلا بد أن ننقذ الحاكم من سيطرة الغرب وإسرائيل، وتخفيف قبضتهم ودفع الحاكم إلى نمط قبول المساءلة، وأن تكون شرعيته أساسها الكفاءة والتطور والحرص على مصالح الوطن. في هذه الحالة سيلتف الشعب حوله، ويصبح مواطنًا صالحًا يستحق السلطة التي تولاها.
ثانيًا: لصلاح المحكوم
إن جزءًا كبيرًا من تشوهات المحكوم راجع إلى سياسات الحاكم الذي يعتقد أن استقرار نظامه يقتضي الجور على المحكوم، واعتباره أقل مرتبة في الدنيا والآخرة، وكثيرًا ما يصرح الحاكم العربي بأن الله هو الذي ميّزه على غيره، ويستشهد بقوله تعالي: “وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَات”، ولا يكمل ما الحكمة من ذلك، والحكمة هي “لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا”، فالأعلى يشكر والأدنى يصبر فهي قاعدة يذكرها الناس بلا تبصر.
ولا بد من إزالة خمسة عوائق لكي ينصلح المحكوم، وهي:
1- أن يستعيد عقله ووعيه وإنسانيته.
2- أن يغير قلبه تجاه الحاكم وتجاه أقرانه، فيصفو ويصفح في كل علاقاته، وهو واجب ديني وإصلاحي يتم بتدريب النفس.
3- أن يثق بأن الزمن لا يتوقف عند وضع معين، ولا بد أن يتفاءل ويثق بقدراته ويحسن الظن بالناس والحاكم، وأن يدرك أن السلطة عبء، لكنها في النهاية هي وسيلة إلى غاية، وأن يتوقف المحكوم عن مخادعة الحاكم وتملقه طمعًا في عطاياه.
4- أن ينبذ النفاق في علاقاته كلها خاصةً تجاه السلطة، وأن يكون مواطنًا إيجابيًّا وألا ينخرط في أي مسلك يضر ببلاده حتى لو كان سينال بعض المزايا، وأن يرجح المصلحة العامة على جميع المصالح الشخصية.
5- أن ينظر إلى الحاكم على أنه ليس معصومًا، وأنه بشر يخطيء ويصيب ولا مانع من نصيحته، ويكرس سلوكه متأثرًا بفضائل الدين وقيمه وقيم الدنيا الإيجابية.
ويعتبر إصلاح الحاكم أسهل من إصلاح المحكوم .في كل الحالات، فهي مسألة ثقافية في النهاية. كما أن هذا البرنامج لا بد من تطبيقه من نخبة عربية تؤمن بالطريق الحضاري، وتنظر إلى الحاكم على أنه يحتاج مساندة وتقويم أيضًا، وألا تكون حادة في نقده، وأن تسعى إلى إدماجه في المجتمع بدلاً من أن يكون فوق المجتمع؛ حتى يعترف بأن الشعب هو مصدر السلطات، وهذه السلطات تسعى إلى خدمة هذا الشعب والوطن. وأن هناك فرقا بين الدولة والنظام، وهو مكلف بخدمة الدولة وإدارتها وفقًا للدستور؛ ولذلك لا يجوز أن تجور السلطات بعضها على بعض، وأن يقبل الحاكم بالمساواة، لا أن يتمثل سلطة الخالق الذي يسأل ولا يُسأل.
هذه المعاني ضمناها بالتفصيل كتابًا بنفس العنوان يصدر قريبًا.
*كاتب مصري

Exit mobile version