فؤاد البطاينة*
ابتدأ بلاء العرب بعد الحرب العالمية الأولى ببعض الحكام الخونة يسيرهم المستعمر، وبجيوش يبنها أو يدربها ويقودها ضباطه واحتُلت فلسطين. وتعمقت المعادلة الإستعمارية بعد الاستقلالات الوهمية. وحيث أن الجيوش هي أداة الحكم الضاربة في الدكتاتوريات فقد جرى التركيز على اختراقها في أقطارنا واستبدال ضباطهم بضباطها. واعتمد العدو في هذا على خطة قوامها تربية وتجنيد العسكر العرب مستغلين كل الوسائل وأهمها الاصطياد ممن ترسلهم الأنظمة في دورات عسكرية أو بمهات أخرى لأمريكا التي كانت تعد من تجندهم بعد دراسة وافية لشخصياتهم ليكونوا متعاونين وحكاماً في المستقبل. وعندما يعودون لأوطانهم تقوم بمتابعتهم وتهيئة الظروف لهم وتقديمهم للأنظمة الصديقة تمهيداً للوصول. واستطاعت أمريكا أن تحشد في معظم الجيوش العربية عملاء لها ترعاهم وتوجههم.
مضطر للقول بأن الجيوش العربية اليوم هي الإستثناء من بين جيوش العالم التي أفقدها الحكام المأجورين عقيدتها القتالية المفترض أن تكون على مبدأ حماية العقائد والأوطان وتحرير المحتل منها وجعلوها مرتزقة على أوطانها وشعوبها وقضاياها المصيرية في خدمتهم ولحمايتهم وتنفيذ أجنداتهم. والأعتى أن هؤلاء الحكام دائمي التعاون والتجسس والمراقبة لجيوشهم لتنظيفها من كل عسكري حر.
لا شك بأن الجيش السليم في الشعب السليم، فلأي مدى شعوبنا سليمة ؟ ولكنا لا نخلي مسؤولية هذه الجيوش. فليس من حاكم عربي يستطيع النفاذ لأدنى فساد سياسي مع العدو ولا اقتصادي ولا العبث بمقدرات وبمصير قطره ولا التطبيع مع الإحتلال دون اعتماده على الجيش في قمع الشعب والرأي العام، بل ولا يستطيع هذا الحاكم أو ذاك أن يبقى لحظة على كرسي السلطة دون استخدامه للجيش.
كما أن القول بأن لا حل عسكري لهذه المشكلة أو تلك قول مخادع واستسلامي، والواقع لا حماية لحق دون الركون لقوة عسكرية ردعية وطنية، ولا استعادة لحق أو تحرير وطن إلا بالمقاومة الشعبية المسلحة التي يحاصرها في حالتنا الفلسطينية خونة الحكام بجيوشهم. والحلول بين الدول المنتصرة والمنهزمة عبر التاريخ تنتهي عسكرية، فليس من عدوان إلا وقام على التفوق في القوة أو الشعور بها حتى لو كانت مستأجرة.
إن أي قطر عربي مطبع أو غير مطبع هو هدف صهيوني للتدمير ما دام مشروع الكيان قائماً في فلسطين، امتد أو لم يمتد، فكيف وأنه ممتد؟ فمشروع الكيان قائم في الوطن العربي كله، فهو عدو وجودي. وهذا الكيان عندما يسعى لتطبيع قطر عربي معه فهو لا يسعى لعلاقات طبيعية معه كأي دولة أخرى، بل لاختراقه واستخدامه وإفشاله وتدميره. ومن البديهيات أن الدولة العربية المطبعة معه فإنما هي ترمي بنفسها في حضن عدوها، لكنها الخيانة التي وصموا بها شعوبنا.
كيف لعسكريين اثنين من المخزون الأمريكي أن يستوليا على ثورة الشعب السوداني بسرعة البرق ويكون أول قرار لهما هو التطبيع مع كيان الاحتلال؟ إنه تسابق العملاء في تقديم أنفسهم لسيدهم، وكيف لمرسي المسنود بثورة شعبية أن تكون أول قراراته إرسال سفير للكيان وتوقيعه لأوراق اعتماد مشينه؟ إنها خيانة تقديم حماية السلطة من الأمريكي على الوطن والعقيدة. وكيف للقيادة العسكرية المصرية أن ترث ثورة شعب وتتسمر أمام منع ماء الحياة عن المصريين في أول امتحان أمام أثيوبيا التي يأكلها الضعف والفقر والجوع؟ إنه الحذر من غضب ومواجهة الكيان، وكيف لدستور بريمر أن يستمر بحكم العراق العظيم، إنه التزام رجال أمريكا بعهودهم ومصالحهم جبناً وخيانة؟ وكيف لرئيس تونس المنتخب أن يوئد ديمقراطية وليدة ثورة؟ إنها محاباة الأمريكي خوفاً من الاستهداف وكيف وكيف، إنها حقبة ملوك الطوائف وأحط لأنها على أوطاننا لا في الأندلس.
ما يجري في السودان مؤامرة كبرى وخالصة استخدم فيها الكيان الصهيوني الصراع بين رجليه حين اختار واحدا منهما لتفتيت السودان هذه المرة. صراع يقوده الكيان بالتعاون الحثيث مع دولة خليجية وظفت نفسها ومالها الأسود لخدمة كيان الاحتلال في تدمير الأقطار العربية من الداخل والطعن في عقيدتها وتاريخها في كل مكان.ولا أقل من أن تأخذ الأقطار العربية حتى المطبعة حذرها منها وعدم الإستهانة بأذرعها المنتشرة فيها وعلى رأسها الأردن.
الخطورة ليست بمجرد استهداف السودان بالتفتيت والتقسيم والصوملة، بل إن فيه وفي تداعياته ما يهيء لاستهداف قادم لمصر في وحدة وسلامة أراضيها وأمنها الوطني والغذائي والمائي. ولنتذكر مع مصر، بأن كل التدمير الذي أصاب سوريا انتهى بعنوان ” الفشل الصهيو أمريكي “، في اختراق سورية وضمها للحضن الصهيوني. والفضل في صمود سورية أمام الحشد العالمي والمال العربي القذر يعود أولاً لعدائها لعدوها فليس أخطر من صداقة العدو،وثانياً لوجود حلفاء لها أحرار معادين للصهيو أمريكي، فهل لمصر العرب والعروبة والتاريخ الامبراطوري أن تتلمس رأسها وتهجر صداقة عدوها الوجودي والحليف الأمريكي وتبحث عن نفسها وعن حليف طبيعي لها. إنها للكيان الأكثر استهدافاً، وإنها له الغاية الزمانية والمكانية لتأمين مشروعه وسلامته.
*كاتب وباحث أردني
صراع المطبعَين في السودان!
