عدنان نصار*
سعت المملكة الاردنية الهاشمية الرابعة ، إلى تمتين حكمها ، وتعميق شعبيتها، منذ اللحظة الأولى لتولي الملك عبدالله الثاني مقاليد الحكم ،بعد رحيل والده المرحوم الحسين المعروف محليا وعربيا وعالميا ببالي نهضة الأردن الحديث عبر أربعة عقود من حكمه ،تخللها في الستينيات والسبعينيات امواج عاتية ، وضعت المملكة الثالثة أمام تحديات كبيرة ، وخطيرة، وتم تجاوزها الى ان عبرت ورست المملكة على شواطيء آمنة نسبيا في حينها ، ثم قفزت المملكة نحو التحديث وبناء الأردن الحديث.
المملكة الرابعة ، ومنذ تسلم الملك عبدالله الثاني مقاليد حكم المملكة الرابعة ، تابعت رحلة البناء والتحديث في الخمس سنوات الأولى..غير أن الرؤية التحديثية للمملكة المديونة بأكثر من 40 مليار دولار لم تستأنف مسيرتها على نحو افضل ، فكان التراجع احد أبرز المؤشرات لغالبية الراصدين والمتابعين محليا وعربيا لمسيرة المملكة ،التي أيضا وقعت في شباك وفخاخ تراجع شعبي في الإعجاب ،وظهر هذا الأمر جليا في مسيرة المملكة ، التي كان من الممكن تجاوزها بسهولة لو ان المملكة عالجت قضايا الفقر والبطالة ،وحاربت منظومة الفساد الرسمي ، واستغلال الوظيفة ، وعملت على تحقيق نهضة بنيوية وصناعية، وحراك تجاري ،وتعميق مستوى الديمقراطية واشراكها في القرارات بعيدا عن المجالس النيابية الأربعة الفائتة التي لم يثق بها المواطن مطلقا ..
كان من الممكن وقف تراجع الإعجاب الشعبي بالمملكة الرابعة منذ وقوعه ، عبر مسلكية تعيد بناء الثقة بين الشعب والحكومة ، التي فقدت بالمطلق أيضا بخمس حكومات سابقة ،والحالية ، التي توصف وفق تحليلات واستطلاعات انها من اسوأ الحكومات في تاريخ الاردن السياسي ..حكومات لم تنتج سوى التنظير ، ولم تفلح الا بكثرة التعديل والتغيير ، ولم تدخل يوما قلوب الناس أو عقولهم ، جراء سياسات الفشل المتراكمة.
تدخل المملكة الرابعة ،راهنا في تحديات شعبية اكبر من اي وقت مضى ، لاعادة الإعجاب بها ..،ولا أظن أن المسألة قد تعبر إلى هدفها بسهولة ، لطالما البيروقراطية ، و”شوفة الحال” والتكبر المقيت يمارس من قبل بطانة الملك ، ومن يقفون خلف عباءته، وذات السلوك يمارس من حكومة ومسؤولين في الصف الثاني ينتهجون بصلف مقيت ورؤية إدارية جاهلة سلوك التنفير الشعبي ، وربما يصل إلى درجة الحقد الشعبي جراء ممارسات ليست صحية مطلقا ..هذا كله انعكس بطبيعة الحال على الإعجاب بالمملكة الرابعة ، وربما وصل الأمر إلى التراجع الشعبي بالاعجاب بالعائلة المالكة التي سجلت اعجابات كبيرة عبر ثلاثة ممالك وبداية المملكة الرابعة .
لا اذيع سرا ، ان قلت ان مستوى النقد والهمز واللمز الشعبي ، ترك الخطوط الحمراء خلفه ، وراح هذا النقد إلى أبعد مستوياته التي لم نشهد مثلها المملكة عبر الثمانين سنة الفائتة من أصل مائة عام من عمر الدولة..
لن أدخل في تفاصيل النقد ، غير أن الراصد والمتابع يقرأ السطور الواضحة وليس ما بينها فقط .
الاردنيون، بكل تفاصيلهم وألوانهم ومعتقداتهم ولونهم الاجتماعي، يجمع على ان لا حكم بالأردن الا للهاشميين ، وعن قناعة مطلقة ، ونبل شعبي يؤكد العقد القائم بين الحاكم والشعب ..لكن، ما يدعو للإستفزاز الشعبي هي تلك الفجوة بين الحاكم والشعب التي وضعها بعض الذين لا يجيدون ابجديات الإدارة والسياسة ممن يجلسون على مقاعد حول الملك ..فالناس ،اقسم بشرفي الوطني والشخصي ،لم يعد يعنيها اجتماع مجلس وزراء ،ولا انعقاد لمجلس الأمة بشقيه، ولا يعني الغالبية المطلقة من الناس ظهور المسؤولين على وسائل الاعلام وتنظيراتهم المكرورة والمكروهة..ما يهم الناس هو اقتصادياتهم اليومية ، وقوتهم اليومي ، وتدريس أولادهم، ورعايتهم الصحية ..إذ لا يعقل مثلا ان يبيع مواطن كل ما يملك من اجل تدريس ابنه او ابنته في الجامعات الرسمية ،أو علاج أحدهم في مستشفيات خاصة وهذا على سبيل المثال .!
الأردنيون بكل احلامهم وصبرهم واوجاعهم، يجمعون على العائلة الهاشمية بالحكم ، ويجددون البيعة بشكل عفوي وعن طيب خاطر ، بل ويرفضون اي حديث عن البدائل وايضا عن طيب خاطر ..،لكن ما يستفز الناس تغييبهم ،من قبل فئة قليلة أعطاهم الوطن القاب :”دولة ومعالي وسعادة وعطوفة ..أعطاهم الوطن الكثير ،ولم يقدموا للوطن سوى وجع اضافي وصداع نصفي يدفع ثمنه الوطن والناس من جهة ، ويضعون ستائر فولاذية بين الحاكم والشعب تحت ذرائع تخدم مصالح المستفيدين وتهمش دور المدافعين.!! والله المستعان.
*كاتب أردني.
