د. محمد أبو بكر*
هناك مشكلة شخصية ما زلت أعاني منها ؛ هي استمرار ثقتي بالحكّام العرب ، وأحيانا أقول في قرارة نفسي ؛ هل من المعقول أن يصمت القادة العرب على ما يجري في فلسطين والقدس ؟ هل يمتلك هؤلاء الحكّام مشاعر وعواطف مثلنا نحن الشعوب ؟ لماذا يسكت الحكّام عن كل جرائم الصهاينة اليومية بحق الفلسطينيين ؟ أم أنهم ينتظرون ساعة الصفر للإنقضاض وتحرير فلسطين ؟
قد أكون جاهلا ومتخلّفا ، وربما أحمقا ، وحين أعدت قراءة قصّة المرأة العربية التي صرخت وا معتصماه ، أدركت مدى سذاجتي ، فقررت كتابة هذا المقال لتذكير هؤلاء الحكام وكذلك الجيوش والشعوب العربية بقصة المرأة التي تدعى شراة العلوية .
امتدت الحروب بين المسلمين والبيزنطيين لأكثر من قرنين ، وعمورية كانت من أهمّ مدن البيزنطيين ، وهي تقع في تركيا ، وفي العام 708 ميلادي ، قدم رجل إلى الخليفة العباسي المعتصم قائلا له .. يا أمير المؤمنين ؛ كنت في عمورية ، ورأيت إمرأة عربية مهيبة جليلة يتمّ سحلها إلى السجن من قبل الجنود ، وكانت تصرخ .. واامعتصماه ! فكتب المعتصم رسالة إلى ملكهم الذي يدعى تيوفيل بن ميخائيل ، أو تيوفولس ، وكان شابا مغرورا ، وخاطبه على النحو التالي ..
من المعتصم إلى كلب الروم ، أخرج المرأة من السجن وإلّا أتيتك بجيش بدايته عندك ونهايته عندي ، فلم يستجب الملك لذلك ، فما كان من المعتصم إلّا وانطلق بجيشه لتحرير المرأة إضافة لحوالي ألف من النساء العربيات الأسيرات في سجون الأعداء البيزنطيين .
لقد حرّكت استغاثة المرأة العربية المشاعر لدى الخليفة العباسي المعتصم ، المعروف بالإباء والعزّة والكرامة ، فكانت معركة عمورية واحدة من معارك التاريخ من خلال جيش المسلمين الذي كان عدده تسعين ألف مقاتل فقط ، ولكن الجيش كان في أفضل حالاته في ذلك الوقت ، رغم أنه متعدد الأعراق والألوان وحتى الأديان .
تمّ حصار عمورية أحد عشر يوما إلى أن سقطت ، فتمّ ردّ كرامة المرأة العربية وكافة النساء المعتقلات ، وردّ كرامة الأمة العربية والإسلامية في ذلك الوقت على يدي الخليفة المعتصم ، والذي كان بإمكانه إصدار بيان استنكار وشجب وتنديد ، كما يجري اليوم .
تعداد الجيوش العربية اليوم ربما يتجاوز العشرة ملايين ، ولدينا أكثر من عشرين نظام حكم عربي وأربعمائة مليون من العرب ، وأكثر من مليار مسلم ، ماتت مشاعرهم ، وغابت الضمائر ، رغم ما يشاهدونه يوميا من ممارسات صهيونية في فلسطين ، ليس فقط بحق الأرض والمقدسات ، بل بحقّ نساء فلسطين ، والمئات منهنّ يقبعن اليوم داخل سجون الإحتلال أسيرات مناضلات صامدات ، وفي كلّ لحظة يصرخن .. وااااامعتصماه ، ولكن من يستجيب لهنّ من حكّام هذا الزمن اللعين ؟
أختي الفلسطينية الأسيرة ؛ المعتصم مات منذ زمن طويل ، والمشاعر تبلّدت ، والحكّام ينظرون إلى ما يجري في فلسطين على أنّه مجرّد ( هوشة ) بين الجيران ، فلا يوجد ما يستدعي إقلاق راحة حكّام العرب المشغولين بما هو أهمّ من فلسطين ، فما يشغل الحكّام اليوم تلك المعارضة لأنظمة الحكم التي ينتظر الكثيرون منهم أحبال المشانق ، في حين غابت أعداد كبيرة خلف القضبان أو تمّ تغييبهم بصورة أو أخرى .
الشعب الفلسطيني هو المعتصم اليوم ، والمقاومة المسلّحة هي الضمير ، والبندقية المصوّبة نحو العدو هي الشرف ، والقدس ستعود حتما كما عادت عمورية ، وسيأتي اليوم الذي ستنتصر فيه البندقية لكلّ أسيرة وأسير ، فلا أمل أبدا بكلّ الجيوش الممتدة من المحيط إلى الخليج ، فهي ليست لكم ، ولا يعنيها ما يجري عندكم ، ولكن .. هل يمكن أن نصحو يوما على معتصم جديد يعيد لنا الكرامة والعزّة والإباء ؟
*كاتب فلسطيني
أين حكّام وجيوش العرب من حادثة وامعتصماه!؟
