اليمن الحر الأخباري

عصر النفايات العظيم..!

خالد شحام*
خلال متابعتي لأحد البرامج الوثائقية بعنوان (تاريخ مدينة) والتي تعرضها إحدى القنوات الفضائية تم عرض حلقة خاصة عن واحدة من العواصم العربية الكبرى تتضمن جولة واسعة في أحيائها والتغني بمجدها وأصالتها وغير ذلك من كلمات التقديس التي فقدت مكانها وزمانها ولم يعد بمقدور عنترة أن يمنح قصائد مجانية، وأتمنى ان تعذروا ذكري للعاصمة تجنبا لتدخل قوات الدعم السريع من القراء والمعلقين.
خلال البرنامج والذي لم أعرف كيف تم اخراجه أو تحريره كانت أكوام النفايات شيئا بارزا في معظم المشاهد وفي الجولات على بعض الشوارع والأسواق – حيث الاسماء على غير مسمى مثل أشياء كثيرة في حياتنا ووعينا المزيف – يمكن مشاهدة النفايات ملقاة هنا وهناك وسط أو طرف الشارع أو السوق الى الحد الذي تتساءل فيه هل الأمر معتاد لهذه الدرجة أم ان المخرج تقصد إظهار ذلك؟
في جولة البرنامج يمكنك تأمل أحد الشوارع الكبيرة حيث خليط من الهمجية والفوضى المرورية والقبلية والبضائع الرخيصة والمقلدة والترهل والفشل وسوء التنظيم ورداءة الاقتصاد وحذار أن تصدقوا أية كلمات من مثل أنه أصالة وعبق التاريخ وكل هذه الشعوذات الفارغة التي تكتبها مواقع الجهل المتنكرة ، في الفيلم المعروض حيث تمشي سيارة المصور على طول الطريق السريع فالنفايات هي العنوان المشترك لكل قطعة من قطع الطريق الطويل ، الفوضى والعشوائيات بحجميها الكبير والصغير هي عنوان كل شيء، الأشجار المتقزمة قسرا واستحياءا وخوفا من البشر المعدمين تنتشر مثل كائن مهدد بالإنقراض ، الجفاف و انعدام اللون الأخضر يحل مكانه السناج وكلح الغبار وألواح الزينكو البائسة وكأننا في مخيمات إيواء اللاجئين الأفارقة، محال ومتاجر أشبه ما تكون بخرابات تملأ الأطراف ، مشاغل ومتاجر ومولات وبيوت وساحات خردة تتداخل وتتقاطع في بعضها البعض وكأن ذائقة العقل والقدرة على تحسس الجمال البصري قد تلاشت واختفت من قاموس كل الناس هنا.
السؤال الذي خطر في بالي أو الأسئلة التي لا يمكن حصرها وتسبب غصة البال: كيف أمكن إنتاج كل هذا القبح؟ كم مدينة عربية يمكن منحها نفس الوصف من خليط التخلف مع التحضر وفقدان المعالم الحقيقية للهوية ؟ كيف أمكن بنا الوصول إلى هذا المنتج المدني غير الحضاري بعد سنوات طويلة من إدعاء التحضر والتطور وادعاء الارتحال عاليا في التعليم والتجارة والصناعة إلى حدود جديدة؟ هل تعجز هذه الدول فعلا عن الاتيان بحل او شيء للنهوض بالإنسان؟ هل يتطلب الأمر ميزانيات ومليارات ومؤسسات عظمى للحصول على شيء من النظافة والجمال والهندسة المدنية التي أنشانا لأجلها مديريات وجامعات ومؤسسات وبلديات وموافقات وتصاريح إنشاء ودوائر تنظيم وغيرها من المسميات الفارغة؟ أليس كل هذا القبح هو جزء من مدخلات تحطيم الإنسان وتحويله إلى حيوان ما؟ أليس هذا هو المنتوج الحقيقي الذي يستبشر برؤيته أعداء الأمة ويؤكد بأننا نربض في القاع المعتم من بئر التاريخ والحضارة ولا زلنا؟ أليست هذه البشاعة الممتدة على الطرق توازي البشاعة والقبح المعيشي الذي يتلطخ به المواطن العربي؟ أليس هذا القبح المادي يتسلل كالعدوى من الجماد إلى الأحياء ويتحول إلى قبح سلوكي ونفسي؟ أليست هذه النفايات والعشوائيات تتحول بقدرة قادر إلى نفايات بشرية وعشوائيات معنوية وسلوكية ومعيشية بعد بضع سنين؟.. نعم سادتي من يصنع هذه المشاهد من الزبالة والفوضى والعشوائية يرغب تماما في صناعة إنسان بنفس المواصفات ونفس التركيب الكيميائي، إنسان لا يسوده سوى قبح الفعل والسلوك والفكر والمعيش وهذا هو حال المواطن العربي في بلاد البؤس من شرقها حتى غربها ومن شمالها حتى جنوبها ، إنه كيان عضوي مستحضر من كوكتيل المعيشة المفصلة خصيصا له والمؤلفة من خليط الزبالة والفوضى والحثالة وعروق الشقاء مع بعض وريقات الذل والبشاعة المرئية والخفية .
لم أكتب هذه الكلمات كي أنقل لكم فكرة صغيرة عن ظاهرة تسيء للعين والروح والقلب تنتشر في معظم المدن العربية ويتم التعاطي معها على أنها شيء معتاد ومقبول ومستحسن تماما، هذه الظاهرة ليست هي أخطر ما نعايشه اليوم فهي مجرد عرض لأمراض مزمنة مبرمجة جيدا، ثمة رابط عجيب خفي يربط الزبالة المعيشية المنظورة بالزبالة السياسية والأحداث التي نعايشها ونراها رأي العين ونبتلع جرعاتها كل يوم في زمان أشباه الرجال وبائعي الأوطان، النفايات والفوضى والعشوائيات أو ظاهرة الزبالة بمفهوما العام تتحول اليوم إلى أيقونة كبيرة في الأحداث الصغيرة والكبيرة في بلاد العروبة ، كل السلوك العربي في عناوينه الكبرى لا يختلف عن الطرق والأحياء المملؤة بالزبالة في فوضويته وزبالته وعشوائياته ، لا تكتفي قوى الظلم والظلام بجرعات من هذه الزبالة بل تحولها إلى مشتقات ومنتوجات نتعاطاها كل يوم ونشربها ونأكلها بمعية وجبات الغداء والعشاء والإفطار، ولهذا السبب لا يمكن ان يهنىء عيش او يطيب هواء او شرب ماء ، إنها مرحلة الزبالة الكبرى في التاريخ العربي حيث يسودنا القبح وكائنات من زبالة ويحكم العالم بأكمله رئيس زبالة ويشرع قوانين لا تنتمي إلا لحاوية الزبالة ويشكل حوله بطانة من زبالة البشر وزبالة القرارات وزبالة الرؤى ، كل منتجات هذا العالم المنافق الفاسد هي أكوام من الزبالة على شتى صنوفها ومسمياتها، يمكنكم أن توسعوا أبصاركم أكثر لتروا زبالة الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، إنه عصر الزبالة بلا منازع!
يمكن لأي منكم الجلوس قبالة شاشات الاخبار وتلقي دفعات كبيرة من الزبالة غير المرئية والمزينة بكل المحسنات اللونية والرقمية والموسيقية والعبارات المزركشة حول الخيانة والعمالة والسقوط المدوي، جرعات من الزبالة يقدمها لكم الزمان على شكل وجوه وأسماء وشخصيات وأحداث مخادعة كلها زبالة لا تختلف عن تلك المكومة في الحي الفقير حيث لا أحد يسأل بأحد، يمكنكم ترقب كميات مهولة من الزبالة كلما طل علينا وجه مثل ترامب أو مسؤول غربي أو أحد أصحاب الفكوك المتدلية أو باعة البلاد أو أحد السياسيين أو الاعلاميين ليقدم تصريحات تفوح منها رائحته ورائحة زبالته الفكرية والكلامية و لا تختلف عن حزام الزبالة الذي يلف الطريق السريع ولا زلنا حتى هذا التاريخ نستقبل من بعض العواصم فائضا من زبالتها التاريخية وتنازلاتها التهريجية عن هويتها وثوابتها على شكل قرارات (سيادية) أقرتها لهم (اسرائيل)، لا زلنا نعايش ونتجرع منتجات من زبالة فنانين وفنانات وممثلين وممثلات وناهقين وناهقات وعبث في كل أرجاء البلاد المنكوبة من فلسطين حتى السودان ومن لبنان حتى عدنان تنشر فيها أكوام الزبالة التي تحولت في زماننا إلى مدعاة للمباهاة والفخر وكلما أنتج أحدهم زبالة أكثر كلما كان ذلك مدعاة لرفع رأسه أكثر ومكايدة نظرائه !
في نشرات الأخبار والتصريحات التي نسمعها من هنا وهناك لم يعد أحد يدري من أين تأتي كل هذه الزبالة التي تتساقط من حاويات عالمية متعددة ، وكلما انهمرت هذه الزبالة تثور في أذهاننا أسئلة كبيرة تتمتع بنفس الرائحة : هل أصبح ( أمير أوحانا )من يمنح قضايانا الشرعية والضمان ؟ ماذا يجري في السودان ؟ هل ينتصر حميدتي أم البرهان ؟ متى سنجد رئيسا للبنان ؟ هل يمكن لرئيس السلطة الخربان ان ينتفض لأجل شعبه قبل أن يأتي يوم الخسران ؟ هل انتصر شاكوش أم رمضان ؟ هل تمكن زيلينسكي من الاستعداد واللف والدوران ؟ ما الذي جاء به بلينكن الثعبان وما الذي يخفيه لأيران ؟ وماذا يريد منا أردوغان ؟
حزام النفايات والفوضى والزبالة الذي يطوق المدينة في التقرير و أحياء المدن التي ترونها أو تعيشون فيها لا يسيء للناظرين ولا لأرواح الأحياء فحسب لكنه برهان حي وملموس على فشل الدولة وأجهزتها وفشل البلدية التي أوكلت إليها مهمة التزيين والتنظيف والتحسين، إنه برهان حي على فشل المدرسة والجامعة والمسجد والأسرة وتربية الأم والأب والمجتمع القبيح بأكمله ، فشل متوج عمره عشرات السنين لأن كل هؤلاء أخفقوا وهُزِموا في معركة إنتاج المواطن القادر على رؤية الجمال وتلمس معالمه ورفض نواقضه ، فشلوا لأنهم لم يتمكنوا من إنتاج صبي أو طالب او إمراة أو مسؤول يرفض أويثور ضد أن يقبل أن يعيش وسط الزبالة والنفايات في أحياء تغشاها المهملات وتجول وتصول فيها والكل يمشي ولا يلتفت بالا، إنها برهان حي على غياب الإرادة السياسية الحقيقية والإرادة الوطنية بصنع جيل مهذب الروح وعالي المعايير وصحيح البدن والنفس والميزان ، لأن من يُغَيِّب عنصر الجمال من حياة العامة حتما لا يريد بهم خيرا في رؤيته لمستقبل البلاد والعباد.
أما حزام النفايات العالمي الذي يطوق زماننا ومكاننا في بلاد العرب وغير العرب فهو برهان على فشل وإخفاق وسقوط قيمة الإنسان من اعتبارات مخططي هذا العالم المجنون وهو برهان على فشل وسقوط كل التقدم التقني والنعيم الصناعي الذي سهل حياة البشر ولكنه صنع منهم منتجين للزبالة المادية والمعنوية ، إنه فشل وسقوط للقيم الكاذبة التي يتغنى بها الغرب المنافق الذي سرق كل بلاد العالم وحولها إلى مزابله الخاصة يلقي فيها كل نفاياته البشرية والصناعية والمادية ويقحم فيها قيمه واخلاقه الزبالة، ما الذي فعله الأمريكان في بلادنا غير تحويلها إلى مزابل كبرى؟ ما الذي فعلوه بالعراق غير تحويله إلى مكب ضخم للنفايات المادية والبشرية؟ إنه فشل ودليل سقوط الأقنعة القديمة في بلاد العرب والمسلمين وتكشف الخفايا التي تحكم شعوب العرب وتكشف حجم التخريب الذي صنعوه في الأجيال السابقة واللاحقة، حزام الزبالة الذي يطوق معظم بلاد العرب اليوم من السودان إلى لبنان هو صنيعة صهاينة العرب وكل القبائل المتخلفة المتصهينة التي باعت دينها بدنياها وتاجرت بثروات الشعوب كي تسكر وتثمل على جراح الأمــة وتخدم أسيادها من غزاة الشرق والغرب.
زماننا ومكاننا غير نظيف، زبالة اسرائيل وجندها تملأ الهواء والماء وتلفح وجوهنا، وجوهنا المغبرة المقترة، صغارنا يولدون ملوثين ببقع الزيت الأسود الذي تشربت به أشجار الزيتون وسنابل القمح ، يعيشون حياة ملوثة بالمنتجات الزبالية الأمريكية والغربية من المحرمات والعولمة والمثلية والانفتاح الكارثي من الطعام والشراب وحتى الذائقة ، حزام الزبالة يتمدد ويبلغ حقول الربى التي زرعها الأجداد ومات فيها شجر الرمان المعمر، هذا زمان الزبالة من عجم ومن عرب، زبالتهم التي تطلق تصريحا من هنا وهناك وترسم مرسوما ساما في مؤتمر أو لقاء ، هذا زمان الزبالة الاسرائيلية التي تمددت وملأت بلاد العرب بالفشل والكسل والشعوب المهملة الوسخة وغرست قيم الرذيلة وانحطاط كل شيء جميل، هذا زمان الزبالة الاسرائيلية التي تقتلع البيوت وتهدم الإنسان الفلسطيني والإنسان العربي وتحول حياته إلى بؤس وشقاء ومكابدة وترسل مياه مجاريرها إلى البساتين والمزارع والأحياء الفلسطينية .
نبشر كل أولئك وكل هؤلاء بأن زمان النظافة سيعود ليس كي نعيد هندسة شوارعنا ومدننا وبيوتنا ونعلم صغارنا زراعة الشجر والثمر ولكن لننظف الهواء والبحر والفضاء من زبالة بني اسرائيل، نبشر هؤلاء بأن شجر الرمان والزيتون المعمر سيعود ليزهر من جديد ويلفظ أوساخهم ورؤيتهم الحاقدة الملوثة بكل موبقات التاريخ، نبشرهم بأن الفرات والنيل والبردى سيعود نظيفا نقيا هانئا للشاربين، نبشرهم بأن زبالتهم وتنازلاتهم ومؤامراتهم ستذهب معهم إلى مكبات التاريخ ومصير الفشل وستزهر الحقول في بلادنا قمحا وزهرا من جديد.
*كاتب فلسطيني

Exit mobile version