الحسين السراجي
خطبٌ كبير ورزء خطير يحل بالوطن حين يفقد أعلامه ورموزه .
ما أوجع أخبار رحيل العلماء الصالحين الذين أثروا البلاد بعطاء العلم وملاؤوا جوانب الحياة إيماناً وعملاً في ميادين التعليم والتشريع !!
حين وقفت عيناي على خبر الرحيل في صفحات الفيسبوك ظهيرة أمس الإثنين تجمدت لأتيقن من الخبر الذي تواتر عن رحيل القاضي العلامة أحمد بن عبدالرزاق الرقيحي رضوان الله عليه فتأكد لي خبر رحيله .
سليل بيت العلم وربيب حلقات التعليم وفارس المنافحة والبحث غيَّبه الموت ليلتحق بركب الآباء والزملاء والرفاق .
إنَّ القلب يعتصر ألماً ، وإنَّ الروح يمزّقها الأسى والحزن ، وإنَّ الفكر في ذهولٍ كبيرٍ بحلول هذه الفاجعة الموجعة ، التي أعلنت وفاة العلّامة الكبير ، والخطيب المفوّه المصقع المحب القاضي أحمد بن عبدالرزاق الرقيحي رحمه الله .
غادر دنيا العالم والخطيب وبرحيله ، تفقد الأمة العربية والإسلامية والإنسانية عالماً كبيراً ومفكراً فذاً وبرلمانياً عتيقاً وسياسياً حكيماً ظل يدافع عن قيم الوسطية والإعتدال ومبادئ الولاء والحب والمعروف وبذل الجهد وخدمة الآخرين حتى أقعده المرض وفارقت روحه جسده .
لقد ابتلي القاضي أحمد في العقد الأخير بلاءً عسيراً تمحص فيه الكثير وأسأل الله أن يكون حتاً لخطاياه وتخفيفاً من أوزاره .
العلامة الرقيحي عضو رابطة علماء اليمن وعضو مجلس النواب وعضو لجنة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية بالمجلس وله إسهامات كبيرة ودور بارز في تقنين أحكام الشريعة المطهرة والدفاع عنها إلى جوار رفاقه العلامة الكبير محمد بن يحيى المطهر والعلامة الوقور عبدالملك بن أحمد الوزير وغيرهما من العلماء الذين شاركوهم المنافحة منذ دخولهم تحت قبة البرلمان اليمني خلال عقود من الزمن .
يحظى القاضي العلامة الراحل أحمد بن عبدالرزاق الرقيحي بحب المجتمع وخصوصاً سكان صنعاء القديمة باعتبارها موطنه ومهوى قلبه ومهبط علومه وباعتباره عالمها ومفتيها وأحد رموزها الكبار .
شغل القاضي الراحل رحمه الله الخطابة في منبر الجامع الكبير بصنعاء وكان فارساً من فرسان المنبر الشريف قبل أن يخلفه ولده الألمعي القاضي العلامة أكرم والذي كان خلفاً صالحاً للرجل الصالح .
القاضي أحمد من أرقى علماء العصر وعياً وفهماً وهو هادئ في حركته وكلامه وتعامله وقد شهدت خلال سنوات عملي في الجامع الكبير بصنعاء دعمه ورعايته للعلم وطلاب العلم وله بصمات واضحة في الجامع الكبير وحركته العلمية منذ التأسيس .
أخلاق ومروءة القاضي الراحل كانت محل ثناء سيدي العلامة الزاهد الورع علي بن أحمد الشامي مدير الحركة العلمية بالجامع الكبير سلام الله عليه فقد سمعت منه الثناء الحسن عليه مرات عديدة .
في بداية عملي بالجامع الكبير رشحني للعمل إماماً وخطيباً لجامع القادسية الضخم الذي كان يُبنى بجوار منزل الشيخ يحيى الراعي رئيس مجلس النواب وما تزال ذكريات تلك الفترة ماثلة في مخيلتي والخلاف مع الراعي والصراع مع الأوقاف ثم رفضي للعمل فيه .
رحل الهدوء والسكينة والمعروف والأخلاق والتواضع فسلام الله على القاضي أحمد .
برحيل القاضي أحمد سيفتقد الوطن نجمه .
ستفتقد صنعاء عالمها .
ستفتقد صنعاء القديمة رمزها .
ستفتقد الحركة العلمية قطباً من أقطابها .
سيفقد الجامع الكبير خطيبه .
سيفقد المنبر فارسه .
سيفقد مجلس النواب كوكباً من كواكبه .
سيدي الراحل الكبير :
سيبكيك العلم وكتبه .
ستبكيك جُنبات الجامع الكبير وزواياه .
ستبكيك خشبات المنبر الشريف .
ستبكيك صنعاء الصامدة .
