اليمن الحر الأخباري

تبًّا لهُ من ذكاء!

محمد بوعزارة
تابعت التصريح المثير الذي أطلقه السيد انطونيو غوتيرش الأمين العام للأمم المتحدة، حيث تحدث بقلق بالغ عن الأخطار الناجمة عن الاستعمال السيء للذكاء الاصطناعي، موضحا أن مآلات الاستعمالات السلبية لهذا التطور العلمي قد باتت الآن تشكل تهديدا وجوديا للبشرية مستقبلا لا يقل عن خطر الحرب النووية.
واستدل السيد غوتيرش في ذلك إلى التحذيرات التي أطلقها عدد من العلماء والخبراء بهذا الشأن.
وأشار – في مؤتمر صحفي- إلى أن التهديد الذي يشكله الذكاء الاصطناعي يتطلب عملا عالميا واضحا ومنسقا، مؤكدا أن هناك إمكانات هائلة في استخدام الذكاء الاصطناعي، لكن الواضح أن هناك مشاكل خطيرة أيضا، تتمثل في إمكانية تعطيل و إلغاء العقل البشري .ليحل محله كائن بلا مشاعر وبلا أحاسيس من شأنه أن يدمر الإنسانية مستقبلا و يدخلها في حروب آلية مدمرة غير مألوفة وغير محمودة العواقب، حروب يغيب فيها العقل المحاور ويغيب فيها التفاوض و ينتفي منها أي أثر للقانون الدولي وللعلاقات الإنسانية الدافئة.
ففي دراسة علمية نشرتها مجلة Heath bmg global أكد عدد من خبراء الصحة خصوصا من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي قد تتسب في آثار صحية مدمرة لملايين الناس في المعمورة.
كما أن إحدى الشركات الناشطة في مجال التقنيات التكنولوجية قد أشارت أنها لاحظت أن شخصين من زبنائها قد استحدثا لغة للتخاطب بينهما و هو أمر من شأنه أن يشكل مستقبلا خطرا على الأمن القومي لمختلف الدول .
فقد تصبح المعلومات المسربة عبر هذه الطرق وسيلة للتجسس و إرسال معلومات تتعلق بالمصالح الاستراتيجية للدول و المؤسسات، أو أنها تمس بالحياة الشخصية للناس بما في ذلك بكبار المسؤولين مما يؤدي لاحقا إلى نوع من الابتزاز والتحايل على الأشخاص وحتى على المؤسسات الاستراتيجية بما فيها المؤسسات البحثية و الناشطة في مجال العلوم والاقتصاد
وكان جيفري هينتون الذي يعتبره البعض الأب الروحي للذكاء الاصطناعي قد قدم مؤخرا استقالته من خدمة غوغل، معلنا أن ذلك سيكون فرصة سانحة له لكي يتحدث بحرية عن مخاطر الاستخدام السيء للذكاء الاصطناعي التوليدي، وعن خمس مخاطر باتت تلوح في الأفق، منبها إلى أن هذا الذكاء أصبح يفوق الذكاء البشري بقوة خارقة وبسرعة فاقت كل التوقعات مما ينذر بأن العقل البشري لم يعد في حالة تراجع بل في حالة تعطل وإلغاء.
ومن بين الأخطار التي تطرحها عملية التوسع السريع و المتنامي في استخدام الذكاء الاصطناعي أنه سيؤدي إلى انتشار رهيب للبطالة و إلغاء ملايين الوظائف عبر العالم و خاصة العالم المصنع .
و ما من شك أن هذا الأمر سيؤدي إلى حدوث قلاقل و توترات اجتماعية خطيرة خصوصا في البلدان المصنعة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والصين التي تتنافس في هذا المجال في حقل الذكاء الاصطناعي بشكل لافت للنظر، حيث ما تزال المنظومة القانونية معطلة بخصوص هذا الوافد الجديد و لم يتم بعد رسم الميكانيزمات القانونية التي من شأنها أن تحد من التأثيرات السلبية لعمليات الاستخدامات السلبية في المستقبل للذكاء الاصطناعي، ناهيك أن منظمة اليونسكو التي بإمكانها أن تتولى ضبط المسائل المتعلقة باستخدامات الذكاء الاصطناعي تعد في حالة خصام مع الولايات المتحدة التي انسحبت منذ عام 2017، مثلما انسحبت من اتفاقيات باريس المتعلقة بالتخفيف من آثار التغيرات المناخية.
كما أن الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى استحداث جيوش بديلة تحارب بدل الجيوش النظامية الكلاسيكية بأسلحة فتاكة قد تنقلب حتى على القوة المُستخدمة التي قد تسيئ عملية استخدامها.
كما أن من بين المخاطر التي سيطرحها استخدام الذكاء الاصطناعي هو الخوف من استخدامه لأغراض خبيثة عبر استخدامات متعددة مثل تقديم معلومات مضللة.
فهل نحن الآن على أبواب عصر جديد سيلغى العقل البشري ليعوضه ذكاء عقل آلي لا روح له.. لا مشاعر له.. ذكاء عقل لا يعرف إلا الكره والقتل.. عقل بلا قلب.. وذكاء يلغي العقل البشري الذي كرمه الله على باقي الكائنات كما ورد ذلك في محكم تنزيله:
ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش، قليلا ما تشكرون.
فبواسطة العقل واستخدام الذكاء البشري يستطيع الإنسان التمييز بين الحق والباطل، وبالعقل يعرف الكائن البشري الخير من الشر، والنافع بدلا من الضار، ويعرف الحلال من الحرام.
بالعقل يتصالح مع نفسه ومع الآخر.. بالعقل يُميز الإنسان بين الأشياء الجميلة وغير الجميلة.. وبالذكاء البشري تتولد لدى الإنسان أجمل القيم الإنسانية التي تخلق المحبة وتشيع روح السلام و الطمأنينة في كثير من النفوس التي قد يساوها الشك من عالم لا يدرك أن العقل نعمة من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى.
فتبا لعقل يستزرع لنا ذكاء يهددنا بالفناء ويزرع الدمار ويخلق الحروب ويُحَكِّم القوة المدمرة سبيلا لعالم مدمر للبشرية بلا إحساس وبلا عقل..

Exit mobile version