اسيا العتروس*
من لكسمبورغ جاء اعلان وزراء داخلية الاتحاد الاوروبي عن اتفاق جديد لتقاسم ما سمي باعباء الهجرة غير النظامية بين الدول الاعضاء , اتفاق يبدو انه تحقق بشق الانفس و بعد تعطل المفاوضات اكثر من مرة لتعديل بنود…الاتفاق و محاولة ارضاء الاطراف التي لم تستسغ المقاربة المطروحة في الحرب المعلنة على الهجرة غير المشروعة لا سيما المجر و بولندا التي رفضت الاتفاق لعدة اعتبارات تؤكد تباين لعبة المصالح الاوروبية و لكنها تعكس ايضا توفر الحد الادنى من التنسيق و التضامن الاوروبي في اعقد الحالات ليس لتحقيق الافضل و لكن لتفادي الاسوأ …و الامثلة كثيرة في هذا الاتجاه على عكس ما هو حاصل في الدول العربية و المغاربية و العربية و هو ما يجعلها الاضعف في أي مفاوضات او اتفاقات علما و ان الحاضر الغائب في هذا الاتفاق الحاصل بين الدول الاوروبية هي بالتاكيد دول الجنوب المعنية بظاهرة الهجرة غير النظامية سواء دول المنشأ او دول العبور او الدول التي يراد لها ان تكون المنصة الخلفية و المحتشد المفتوح لاستقبال الاجئين غير المرغوب فيهم و بين هذه الدول تونس التي تتعاطى مع الجانب الاوروبي منفردة في غياب اتحاد مغاربي او مظلة عربية او افريقية جامعة…
ما يهمنا في اتفاق الحال انه جاء عشية زيارة رئيسة المفوضة الاوروبية ارسولا فون ديرلاين الى بلادنا عنوانها الابرز ملف الهجرة غير النظامية في علاقة ايضا بالمفاوضات المعلقة بين تونس و بين صندوق النقد الدولي ..اتفاق مؤجل و معه تتاجل كل الاتفاقات مع كل شركاء تونس الذين يربطون أي اتفاقات مالية بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي ما جعل ميلوني رئيس الوزراء الايطالية تتحول الى ناطقة غير رسمية باسم تونس للحصول على القرض و كان خلاص تونس و بقاءها بات في رقبة الصندوق .
والسؤال الذي يفرض نفسه كيف سيتم تفعيل هذا الاتفاق على ارض الواقع و ما هو الدور المطلوب من تونس و ما هو خاصة الثمن في ظل التعتيم الحاصل و في ظل النشاط المكثف لرئيسة الحكومة الايطالية ميلوني و اتصالاتها على مختلف الجبهات لتحصين بلادها ومنع وصول المهاجرين اليها والاستجابة بالتالي للوعود الانتخابية التي قدمتها لانصارها من اليمين المتطرف …
على ان ما سبق لا يلغي باي حال من الاحوال بعض الحقائق المهمة و من بينها أن الاتفاق بين دول الاتحاد الاوروبي حول الهجرة والذي ياتي بعد مفاوضات ماراتونية مضنية وتنازلات بين هذا الطرف و ذاك بما سيمهد الطريق لمفاوضات في البرلمان الأوروبي قبل الانتخابات الأوروبية المقررة في جوان 2024. ..
وهنا أهمية التفاوض مهما كانت الاختلافات و الانشقاقات والصراعات بين الدول الاوروبية ذاتها واهمية التضامن بين الدول في الدفاع عن مصالحها فسي مواجهة الاخر اوما يعتبر الطرف الذي سيتعين فرض جزء من هذا الاتفاق عليه بكل الطرق المتاحة …وهذا ما يستوجب التوقف عنده في علاقة بما تم التوصل اليه بين الدول الاوروبية السبعة و عشرين التي تختلف في جذورها و خصوصياتها و لغاتها و هوياتها و لكنها تتفق عندما يتعلق الامر بالتحديات الماثلة أمامها والتحدي هنا يتعلق بملف الهجرة غير النظامية التي تعبرها الدول الاروروبية و تحديدا دول شمال المتوسط الهاجس الاكبر والخطر الداهم امام قوارب المهاجرين من مختلف الجنسيات الافريقية والمتدفقة من تونس و الجزائر وليبيا الى السواحل الايطالية …و الاكيد ان ساعات طويلة جمعت الاطراف الاوروبية حول طاولة النقاش و انه حسبما تم تسريبه فان الخطة لم تحظى بالقبول من طرف عشرة دول من بينها إيطاليا واليونان التي عارضت المقترحات المطروحة على طاولة البحث، ما اضطر المفوضية إلى إعداد نص جديد لاسترضاء أكبر عدد ممكن من البلدان و تحقيق التوازن خاصة من دول حوض المتوسط ، و هنا الفرق الاهم بيننا و بينهم فالاوروبيون يتمتعون بخاصية حسن الاصغاء والاستماع لهواجس الاخر وهنا ايضا كلمة السر في ديبلوماسية المصالح و هي الحوار والتفاوض والتضامن بين الدول في الدفاع عن مصالحها في مرحلة لاحقة …
و هذا ما يستوجب التوقف عنده في علاقة بما تم التوصل اليه الاسبوع المنقضي بين الدول الاوروبية السبعة و عشرين التي تختلف في جذورها و خصوصياتها و لغاتها و هوياتها و لكنها تتفق عندما يتعلق الامر بالتحديات الماثلة أمامها و التحدي هنا يتعلق بملف الهجرة غير النظامية التي تعبرها الدول الاروروبية و تحديدا دول شمال المتوسط الهاجس الاكبر والخطر الداهم امام قوارب المهاجرين من مختلف الجنسيات الافريقية والمتدفقة من تونس و الجزائر وليبيا الى السواحل الايطالية …
الملاحظة التالية فتتعلق بدول العبور ذاتها التي تحولت الى محتشد غير رسمي للمهاجرين غير النظاميين و التي تواجه الضغوطات الاوروبية منفردة في غياب أي تنسيق أو خطط او اتفاقات مشتركة في هذا الملف بما يجعلها تتعرض للابتزاز وتفرط عن وعي او دون وعي في مصالحها و تقع في اغراءات او ربما في ابتزازات دول الشمال الطرف الاقوى في هذه المعادلة غيرالمتوازنة والتي تستثمر في الازمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدول الجنوب و منها تونس التي تواصل التعلق بقشة للنجاة من الغرق والفوز بقرض يرفض ان ياتي من صندوق النقد الدولي …بما قد يدفع هذه الدول للرضوخ و القبول بحزمة من المساعدات للخروج من حالة الاختناق التي اصابتها و لكن لتتحول لاحقا الى محتشدات معلنة للمهاجرين غير النظاميين او المهاجرين الذين يتم ترحيلهم من اوروبا وهي خطة لم تعد بالسرية وهي لب أي اتفاق تعمل عليه دول الشمال مع دول الجنوب المعنية بهذه الظاهرة التي ما انفكت تتفاقم بالنظر الى تراكم و تعقيدات وتواتراسباب الهجرة غير النظامية التي تدفع بالالاف الى المقامرة عبر سفن و قوارب الموت و تدفع بسخاء لتجار و سماسرة الموت هربا من واقعها المتردي سواء بدافع الفقر و الجوع و الخصاصة والبطالة او بدافع الظلم و الفساد و الاستبداد و انعدام العدالة الاجتماعية وغير ذلك من الاسباب التي السابقة اوالاحقة للاحتلال الذي استوطن افريقيا طوال عقود و استنزف ثرواتها و طاقاتها …
*كاتبة تونسية
قدرهم الاتفاق وقدرنا الشتات!
