علي الزعتري*
جو بايدن هو رئيس لولايات أمريكية متحدة منذ قرنين ونيف تم اتحادها بالاحتلال الأبيض الأوروپي الذي وصل القارة الشمالية من الجزر البريطانية والايرلندية و من فرنسا و إيطاليا و اليونان و هولندا و ألمانيا و بعدها من الصين و اليابان و غيرها كثير. حرب التحرير والاتحاد كانت بمبادرة المستعمرات من الأجيال الأنجلوسكسونية اللاحقة للهجرات و التي لم يرق لها صلف الإمبراطورية البريطانية و ضرائبها العالية. و إذ انتصرت المستعمرات و تكونت الولايات في الشرق امتدت بالتدريج للوسط و الغرب و الجنوب ماسحةً قبائل السكان الأصليين الذين سمُّوهم بالهنود الحمر و الجمال المتوحش ثم حاصروهم بمستعمرات تعتمد على حكمٍ ذاتيٍّ ضعيف يقتات على مهنة نوادي القمار و بيع السجائر و الكحول. يفتخر بايدن بأصوله الإيرلندية كما يفتخر كثيرٌ من الأمريكيين بأصولهم الأوروبية و الآسيوية و الإفريقية و يشعرون بامتزاجهم في ما أُطلِقَ عليهِ بوتقة الانصهار. لا تنصهر هذه المكونات السكانية تماماً و تبقى راسخةً عوامل تفرقةٍ متعددة يحتالُ على سوسها النظام الأمريكي الحاكم بثلاثيةٍ في الرقابةِ والتوازن مكونةً من الجهاز التشريعي والتنفيذي والقضائي المنتخب من أصغرِ وحدةٍ سكانية و للقارة الأمريكية. بايدن مثل من سبقهُ من رؤساء مُنتخبٌ هو و حزبه لكنه يختلفُ عمن سبقه، باستثناء دونالد ترمپ، بالتعليقات الغريبة و الضياعِ المكاني و الزماني. بينما ترمپ تميز بالاستهزاء من غرمائهِ قولاً و تمثيلاً. في آخر تعليقٍ لبايدن و في نهايةِ كلمةٍ لهُ قالَ “عاشت أو حفظ الله الملكة” “God Save the Queen” و هي العبارة التقليدية للاحتفالات البريطانية عندما كانت الملكة على قيد الحياة! لم يفهم الناس لماذا قالَ هذا كما لم يفهموا سابقَ عباراتهِ و ضياعهِ. من حولهُ لا يتكلمون و خصومه يقولون أنه خَرِفٌ لا يصلح أن يكون رئيساً.
لو سقط بايدن من الرئاسة ستتولى الرئاسة نائبته و هي لا تحوز على شعبيةٍ ستمكنها من الفوز بالانتخابات المقررة العام القادم ٢٠٢٤ و المتوقع أن يفوز بها الحزب الجمهوري إن كانت هاريس هي مرشحة الديمقراطيين. و الحقيقةُ التي ينبغي أن تُقالَ ولو أزعجتْ البعض أن أمريكا تتمتع بالفعل بنظامٍ فيه بناءٌ مؤسسي داخليٌ مرموق لحفظ الحريات والدفاع عنها والوقوف مع العدل الذي يستطيع المواطن و حتى الأجنبي أن يستعين به. بالمقابل فإن أمريكا لا تخلو من تفاوتاتٍ ظاهرةً و خفيةً تصيب نظامها السياسي و الاقتصادي و العدلي و الأخلاقي بالكثير مما يصلنا من تجاوزاتٍ غير معقولة. الصورتين تشكلاَّن ذات الطبيعة الأمريكية وطالما داخلياً تعادلتا في الطبيعة الحرة للإعلام و تفوقت العدالة نظرياً و عملياً لعموم الناس فإن النظام يعمل و لو كان فيه ما يزعج الداخل و يصيب المتابع الخارجي بالحيرة بل و أحياناً بالقرف. أما خارجياً فلا تُحْمَدَ السياسة الأمريكية مطلقاً بنزعتها للسيطرة و الاستقواء و حماية كل ظالم ما دام يعمل لمصلحتها و تدمير كل عادل يعمل ضدها. و لا يختلف الديموقراطيين عن الجمهوريين في السياسة الخارجية بينما يتخالفون داخلياً. و اختلافهم الداخلي لا يؤثر على سياساتهم الخارجية إلا بما ينفع الولايات المنتجة للسلع و الخدمات التي تصدرها و توفرها للمستهلكين من الدول. على سبيل المثال صفقات الطائرات بأنواعها و هي المصنعة في أكثر من ولاية تبذل فيها الحكومة الأمريكية الفيدرالية جهوداً متوافقةً مع الشركات المصنعة والولايات سواء كانت الولايات حزبياً جمهوريةً أم ديمقراطية. و هكذا دواليك. أما الخلاف بين الحكومة الفيدرالية و الولاية فينبني أكثر حول توجهاتٍ عقائديةٍ ذات صفاتٍ حزبيةٍ و دينيةٍ و عِرقيةٍ مثل حق الإجهاض و الهجرة غير الشرعية و النزعات العنصرية. و يتمتع مجلسي النواب والشيوخ بدورٍ رئيسي في السياسة الخارجية فعبرهما يتم إقرار الاتفاقيات و العقوبات. و يتكلم المحللون عن دولةٍ عميقةٍ جداً تضم الصناعيين و العسكريين و السياسيين و مراكز الأبحاث المتخصصة تتابع و تنصح و تضغط لتوجيهِ السياسات الأمريكية داخلياً و خارجياً. والدور المُعلن في الإقناع و الضغط تقوم به منصاتٌ متخصصة بكل منحى و وجه يشكل اهتماماً لجمهرةٍ أمريكيةٍ من حمايةِ سمكةٍ في نهرٍ صغيرٍ و لغزو الفضاء. معقدةٌ جداً هي المنظومة الأمريكية لدرجةٍ تجعلنا نتساءل كيف يُدير جهازها التنفيذي رئيسٌ يظهرُ أنه خاوٍ ذهنياً و جسدياً. لعل التالي يرشدنا.
قد يكون فعلاً قد خَرِفَ جزئياً و في طريقهِ لمزيدٍ من التراجع الذهني. و قد يكونُ ممثلاً فذاً يتسلى بجمهور المتابعين. أما الثانية فيعززها أنه قد مر بالفحوص الطبية التي أهلتهُ لاستمرار عملهِ بل و الترشح لفترةٍ رئاسيةٍ ثانية. في مثل هذا النظام لا يوجد مرونةٌ لإخفاء مرضٍ قد يؤدي لكوارث. و الأولى، من أنهُ فاقدٌ لبعض الملكات الذهنية، فممكنةٌ و ممكنٌ أن يتواطئ من حوله للتغطية عليها. التاريخ يشهد على حالاتٍ مماثلة لكنها لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية. وأشكُ أن يكون هذا هو الواقع الأمريكي. ظنَّي أن جو بايدن يستمتعُ بدور الضياع الذي يمثله على العالم و يحب أن يهزأَ و أن يغطي بالهزأ على ذكاءٍ حادٍ و عصبيةٍ عميقة.
من المؤسف هذا الوضع لكنهُ ليس من الاستثناء. سلفهُ دونالد ترمپ المحاصر بالقضايا وعبارات الاستهجان ضدهُ ممن كانوا رجالاته و نساءه في إدارته و بعضهم يستعد للانتخابات الرئاسية ضدهُ كان لا يتوانى عن الهزء بوقاحةٍ منقطعةِ النظير بمن في الخارج والداخل. و لم يكن لسان جونسون و نيكسون و أفعال كلينتون أنظفَ. خَرِفَ أم لا وهزأ أم لا فإن الرئيس الأمريكي لا يُزاح بسهولة، و إن أُزيحَ فمن يأتي مكانهُ لن يكون أشرفَ في السياسة و التصرف فيما يختص بنا.
كانت طرابلس الغرب عام ١٩٩٨ و كنتُ مع الهيئة الدبلوماسية نستقبل الراحل العظيم نيلسون مانديللا الذي كان بمهمةِ تخليص ليبيا من لعنة لوكربي. صافحتهُ مُعَرِّفا بمن أكون، الأمم المتحدة، فكان ردَّهُ “انقل سلامي لملكتكَ!” و علمتُ بعد ذهولٍ لحظيٍّ أنه يعاني من بعضِ صمم ففهمَ أنني من “المملكة المتحدة” و كان ذهولي أشد لاعتقادي أنه لا بد كان يعلم أنه لا تمثيل للمملكة المتحدة بليبيا ذلك الوقت. تذكرتُ مانديللا عندما هَذَرَ بايدن ب “حفظ اللهُ الملكة” وشتان ما بين الرجلين، فكُلٌّ له تاريخ و لو عَثَرَ. مانديللا امتلكَ نواصيهِ المشرقة للإنسانية وبايدن يستخلص أوصافهُ الوضيعة. والملكةُ في الحالتين لم و لن تعلمَ بالتحية!
*كاتب ودبلوماسي أُردني
عن ذاكرة بايدن وخرفه!!
