د. طارق ليساوي*
المناسبة حرق القران الكريم مجددا في السويد بحماية من طرف السلطات الأمنية تحت ذريعة حرية المعتقد ، و ما دفعني على وجه الخصوص لتدوين هذه الكلمات هو نقاش فكري دار بيني و بين ” خلود” الطفلة ذات11 ربيعا ، و التي ادهشتني بنقاش ما عهدته في كثير من طلبتي بالجامعة ، فهي تتحدث عن الاسلام و قيمه بعمق شديد، و إدراكها هذا نابع من تدين فطري و فهم صحيح لحقيقة الإسلام و لا يسعني إلا ان اشكر أساتذتها على مجهوداتهم و حسن صنيعهم ، و هذا امر يدعو حقا للتفاؤل، خاصة أننا نعيش في قلب هجمة شرسة على الإسلام و الفطرة من قبل من ينتمون لهذا الدين و لهذا الفضاء الجغرافي و الحضاري.. و بدعم و تحريض من قوى و أجندات دولية غايتها إطفاء نور الإسلام ، و تغيير فطرة البشر خدمة لمخططات شيطانية و دجالية…
و ما يحدث لا صلة له بالحرية الفردية او حرية المعتقد او توسيع خيارات الناس ، فقد تابعت قصاصة إخبارية مسرحها فرنسا بلاد الانوار و التنوير ، و مفادها متابعة فتاة اختارت بكامل حريتها ان تلعب كرة القدم و هي تضع غطاء الشعر على رأسها ، و هذا بكل تأكيد إختيار شخصي و حرية فردية ، لكن العجب العجاب ان يتحول هذا الاختيار الفردي الذي لن يضر او ينقص من حرية أي شخص أخر ، فقرار هذه الفتاة اصبح قضية عظيمة و جرم لا يغتفر إلى درجة أن يصل إلى المحكمة العليا الفرنسية لتعقد جلسات ماراطونية للفصل فيه، يحدث هذا في بلاد “التنوير” والحداثة و النسوية و المثلية …فهل غطاء الشعر الذي إردته الفتاة فيه ضرر لاحد من المواطنين الفرنسيين ؟ و ايها اخطر غطاء الشعر ام تغيير الفطرة و تشجيع المثلية و الشذوذ و العري !!
و حتى نفهم إزدواجية المعايير هناك من سيتهمني الان بالرجعية و الأخونة، ماذا لو كانت هذه القضية نفسها تتداول في المحاكم الدينية العليا في أفغانستان او في باكستان على سبيل المثال ، ألن نسمع طوفان من السب و الإدانة و الاستهجان من انصار الحقوق المدنية و الحرية الفردية ..للأسف كثير من الناس و الهيئات و المنظمات لا يحركهم إلا العداء ضد الإسلام و المسلمين ..فكفى من سياسة النفاق و إزدواجية المعايير و الكيل بمكيالين …التخلف حقا هو العودة لحقبة محاكم التفتيش و محاسبة المرء على معتقداته و هذا قمة الرجعية و التخلف و الظلامية، أما الإسلام فشعاره الاكبر ” لا إكراه في الدين” ” و لكم دينكم و لي دين” ..
فالأمة الإسلامية ليست في حاجة لخطابات التنديد و الاستهجان، الأمة قبل غيرها في حاجة إلى نموذج تنموي مستقل و نابع من قيمها الإسلامية ، بعيدا عن الشرق و الغرب ، و لا يمكن إحداث هذا النموذج دون العودة للأصول و المصادر الأساسية القران و السنة ..
فالتنديد بحرق القران و الاساءة للمقدسات الإسلامية لا ينبغي أن يقتصر على بيانات السجل و التنديد و ردود الفعل المتشنجة و الظرفية – الأنية، بل ينبغي أن يكون بداية ، بمساءلة النموذج التنموي الغربي المعتمد في كل البلدان العربية و الإسلامية ، و مدى قربه أو بعده من صريح الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية، بعيدا عن المتشابهات ” فالحلال بين و الحرام بين و بينهما أمور متشابهات” ، فنحن الأن في أمس الحاجة إلى ترك الحرام البين ، الذي أصبح حلالا لدى كثير من المسلمين فغبار الربا ، بل فيروس الربا دخل لكل بيت و مس الجميع، بل الأدهى البعض يحلله و يدافع عنه و بنصوص شرعية ، و هؤلاء بعد علماء السوء الذين أبتليت بهم الأمة في عصور انحطاطها..
و بعض رجال الاقتصاد و السياسة يدافعون عنه على إعتباره أن الفائدة-الربا أحد أهم الأدوات المالية و النقدية التي تبنى عليها السياسات المالية و النقدية في عالم اليوم و في ذلك قصر فهم و عجز عن البحث في بدائل أخرى ، فأغلب صناع القرار الاقتصادي في عالمنا العربي و الاسلامي الموبوء بالتبعية للخواجة، يعتقدون إعتقادا جازما بأنه لا غنى عن الربا أو الفائدة في عملية التنمية ككل، بالرغم من أن علماء في الاقتصاد حاصلين على جائزة نوبل ربطوا بين الفائدة و أخطر الاختلالات التي يعيشها الاقتصاد الرأسمالي و أزماته المزمنة و الدورية ، و بهذا المنبر كتبت سلسلة من المقالات التي شرحت فيها بالتفصيل دور الزكاة الفعال و المثمر في القيام بفعالية، بأغلب الأدوار التي يلعبها سعر الفائدة في الاقتصاد الوضعي ، و دون أضرار اقتصادية او اجتماعية او نفسية ..و لكن للأسف لا حياة لمن تنادي .. و في الختام عيد مبارك سعيد و كل عام و انتم بخير، و لا تنسونا بصالح دعواتكم في هذه الايام المباركة…و الله غالب على امره و لكن أكثر الناس لا يعلمون ..
*إعلامي وأكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني والشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسة والسياسات العامة
الهجوم الرجعي على الاسلام!!
