اليمن الحر الأخباري

علي السمة تاريخ من الفن.. وحمود.. صانع السعادة والجمال

احمد الشاوش*

في هذه المقالة المتواضعة ، ومن باب الانصاف والعدالة سأتحدث عن سيرة نجم ساطع ومطرب متألق وملحن عبقري وصوت شجي ووتر رنان وعازف مبدع وانامل ذهبية لاعبت اوتار الفن والجمال والقلب ، ورقصت مشاعر العشاق ودغدغت أحاسيس جمهور الفن والتراث اليمني الاصيل وبشاعريته الغنائية جسد قمة الابداع والعذوبة.

علي عبدالله السمة .. شخصية فنية كبيرة وهامة وطنية وسياسية ومناضل من الطراز الاول وانسان عصامي ورائداً من رواد الفن ومجدد ذاع صيته في الآفاق بعد أن نحت ألحانه العذبة ووثق صوته الجميل وعزفة الرائع وحركاته اللطيفة في سماء الفن الراقي ، بعد انطلاقته في الخمسينات ، وظهورة الاول في الاوساط والاعراس الشعبية وعبر اثير اذاعة صنعاء التي كان لها بريق ووقع خاص لدى الجمهور اليمني وغيرها من الاذاعات والقنوات التلفزيونية والحفلات الرسمية.

لكل مجتهد نصيب:

وكما يقال لكل مجتهد نصيب ، فقد عمل في بداية حياته في قيادة ناقلات البضائع ، ثم هاجر الى السعودية للبحث عن عمل كأي يمني مكافح ، وعاد إلى اليمن والتحق بصفوف القوات المسلحة ، وابتعث الى الاتحاد السوفيتي للدراسة وحصل على الماجستير في العلوم العسكرية ودرس الموسيقى في المعهد العالي للموسيقى في عدن ، كما عمل في اذاعتي صنعاء وتعز وشق طريقه الى النجومية ، رغم انه من بيئة محافظة إلا ان ارادته تغلبت على الموروث والعادات والتقاليد التي كانت تُكره وتحرم الفن.

بصمة نادرة :

ترك الفنان الكبير علي عبدالله السمة بصمة نادرة وقوالب آسرة للقلوب وثروة فنية نادرة في عالم الفن والغناء اليمني الاصيل ، وما أغنية ” البالة ” و ” فوق الجبل و ” ياقافلة ” و ” شلك الباز من بين أخوتك ” و”يامظلوم و” ياطالعات الجبل و”أنت المنى والحياة” و ” ياحبيبة يايمن” و”حيوا معي رجال المقاومة” في حصار السبعين يوماً ، إلا أحدى روائعة المشهورة والاكثر تداولاً واريحية حتى اليوم بصوت طائر الاشجان.

عبقرية الملحن:

أبدع الفنان علي عبدالله السمة وأجاد في تلحين الاناشيد الوطنية التي هيجت القلوب والهبت حماس الثوار والتواقين الى دولة الجمال والحب والمدينة الفاضلة .. وبعبقريته الفذة جذب الانظار نحو الاغنية العاطفية ، كما أشتهر في تلحين واداء الاغنية السياسية مثل أغنية “يالله اليوم يأخوان.. نستعيد نجران وجيزان ، كما غنا للحب والعشق والسعادة والتسامح والسلام ، فكان الصوت المتدفق العطاء والمنجم الذي لاينضب خلال مسيرة حياته الفنية.

والحقيقة الساطعة التي لايختلف عليها اثنان ان الفنان الكبير علي عبدالله السمة ، رائداً من رواد الفن والزمن الجميل وان نبوغه ووطنيته وشخصيته الوديعة ومواقفه الانسانية النبيلة وسيرته العطرة ومسيرته الناصعة والمُشرفة والمشرقة واعماله الخالدة أدخلته في قلب كل يمني محب للفن والحياة ..

ورغم تلك السيرة الفنية الزاهية والمسيرة المزهرة والعطاء المتواصل والمشاركات المحلية والاقليمية والدولية الذي جعل من الفن اليمني الاصيل جسراً للتواصل لرفع أسم اليمن عالياً ونشر قيم المحبة والجمال والروعة والابهار والانس وتعريف العالم بالحضارة اليمنية وفنونها الضاربة في جذور التاريخ ، إلا ان الفقيد لم يأخذ حقه على المستوى الرسمي من التكريم والحفاوة والاهتمام والانصاف بكل ماتعنية الكلمة من قبل وزارة الثقافة والحكومات السابقة واللاحقة في حين كان الوفاء والزخم الشعبي عنواناً للوفاء ورغم ذلك لم يُحبط أو ييأس لانه كان يؤمن برسالته الفن الانسانية النبيلة التي هي أكبر من أموال الدنيا والشهادات الفخرية والمجاملات والاوسمة العبثية.

غنا الفنان علي عبدالله السمة في الامم المتحدة بدعوة رسمية من روائع الحانه وأصواته الشجية التي أبهر بها الضيوف ، كما قدم أجمل الاغاني التراثية والحانه في عدد من الدول العربية والاوروبية والولايات المتحدة الامريكية في تمثيل اليمن .

عصر النجوم:

وكما سطع نجم الفنان علي عبدالله السمة ، سطعت عشرات النجوم في سماء الفن اليمني والعربي والدولي ، أمثال الفنان الكبير أبوبكر سالم بلفقية صاحب الحنجرة الذهبية والالحان الاكثر جمالا والقصائد الغنائية الرائعة والفرقة الموسيقية الفاتنة.

كما برع في سماء الفن اليمني الاصيل الفنان الكبير علي بن علي الانسي والفنان أحمد السنيدار والفنان محمد حمود الحارثي ، والفنان أيوب طارش ، والفنان محمد مرشد ناجي والفنان احمد فتحي والفنان محمد سعد عبدالله والفنان محمد عبدالله عطروش ومحمد عبده زيدي وعلي الخضر وعبدالباسط عبسي وفؤاد الكبسي واحمد الحبيشي والعطاس والثلاثي الكوكباني والاخفش والحرازي والعوامي وعبدالكريم علي قاسم حميد الدين وابونصار والاسدي وحسين محب وقبلهم احمد عبيد قعطبي والماس وغيرهم من عمالقة الفن اليمني

مواقف طريفه :

ومن اجمل ماسمعت عن فنان اليمن الكبير علي عبدالله السمةانه ذات يوم قرر السفر الى الحديدة وبمعيته عازف القانون الفنان احمد الخالدي ، وزوجة السمة ونجله حمود وهو لازال في الثانية من عمره ووصلوا الى مناخة حتى اوصل زوجته ونجله الى بيت أخوال حمود السمة، وخلال توقفه وفتحه باب السيارة وجد على الارض مبلغ 700 ريال يمني فألتقطها من الارض واعطاها للفنان احمد الخالدي قائلاً حظك يابن الخالدي في لحظة عكست مدى ايثار ووفاء وكرم وبساطة تلك الهامة الفنية التي تُعد أكبر من كنوز الدنيا.

وما ان وصل الفنان علي السمة الى الحديدة ومعة احمد الخالدي للمشاركة في حفلة عرس ، قرروا ان يسبحوا بعد الفجر ونزلوا الشاطئ وبالمصادفة جاء باص روسي عليه نحو 15 روسياً وروسية للسباحة والاستجمام ، وخلال تلك اللحظة تحدى علي السمة ، الخالدي ، وقال له في حالة صفاء وود وابتسامة كم لي يابن الخالدي واخلي الروسيات يحلقين حولي ، فرد عليه الخالدي .. هيا ما انت زيدت بها ياعلي الجنان .. خف علينا شوية .. فقال السمة اذا صح كلامي عليك الغداء والقات فقبل الخالدي التحدي ، واخذ الفنان علي السمة العود وعزف ورن الوتر والنغم وغرد طائر الاشجان اغنية روسية ، وماهي الا لحظات حتى غادر الروسيين والروسيات البحر مسرعين ومبهورين ومتجمعين حول الفنان علي السمة يرددوا الاغنية باللغة الروسية في قمة السعادة والصخب ، فنظر الخالدي الى السمة مستغرباً وقال والله طحطوح ياعلي..جمعت الروس برنة وتر وماكان منه الا ان أقر بالهزيمة والشهادة بنجوميته واوفى بالقات والغداء وسط حالة من التعجب والتنكيت وضحكات عانقت عنان السماء.

كرم الكرام :

وعند العودة وصل السمة والخالدي الى مناخة ومر على صهره تقريباً النجار واعطاه ملف قات ووضعه في الخانة ، وبطيبته وجوده وكرمه قال علي السمة للخالدي أنزل افتح الخانة وخذلك قات ، ففتح الخالدي الخانة واخذ قليلاً من القات وما ان ادركه علي السمة حتى نزل بنفسه الى الخانة مسرعاً وأخذ جنبيته وفرط ملف القات واخذ كمية كبيرة واعطاها للفنان الخالدي وقال له ياصاحب آنس بين اقل لك تشل لك قات مش عودي في دليل على طيبة نفس ومعدن الفنان علي السمة الاصيل الذي لم يفارق الخالدي طيفه الجميل حتى اليوم .

ومن المواقف الطريفة انه اثناء تواجد على السمة ضمن وفد فني يمثل اليمن في امريكا ، حصل خلاف شخصي بين علي السمة ووزير الاعلام المرحوم حسن اللوزي وقرر اللوزي عدم مشاركة السمة في الحفل ومنعه من الغناء في تلك المناسبة وماكان من السمة بجرأته وصراحته الا ان قال .. انا يمني بين امثل دولة اليمن وانت من انت حتى تمنعني في أشاره تحمل معنى بعيد ، وكاد ان يشتبك مع اللوزي بسسب التقصد له .. وقال قسماً لا.. أغني بالقوة ، فماكان من اللوزي بدبلوماسيته الا ان تدارك الخطأء والسيطرة على الخلاف وقدم السمة اروع اغانية الفنية وانتهت الحساسية بمصالحة الطرفين ودخول مسؤولين كبار على خط الازمة ..

رحيل مؤلم :

رحل الفنان الكبير علي عبدالله السمة في العاصمة صنعاء بطعنة غادرة أوصلته الى جنة الخلد على يد جار غير طبيعي وانسان متهور ورجل احمق ناكر للمعروف ودون أي ذنب وفنانا القدير يظم نجله حمود ذو العامين بيده الى صدره مترجلاً الى لقاء خالق السموات والارض ، بعد سيرة عطرة ومسيرة حافلة بالابداع والتألق والانجازات الفنية.

حمود السمة.. صانع السعادة :

اليوم نحن أمام نجم ساطع يضيء سماء الفن اليمني الاصيل والاغنية التراثية الجميلة .. فنان عبقري وملحن لامع ومطرب متألق ، ومجدد في الفن على نهج والدة وفق قالبه ولونه الخاص الذي ينعش حياة الشباب ويحول الواقع التعيس الى أفراح وسعادة في زمن المآسي والاحزان .. انامل ذهبية تلعب بالريشة وتهز المشاعر وتسعد الناس وتدغدغ الوتر وتطرب القلوب والارواح.

يتربع اليوم النجم الساطع الفنان الكبير حمود السمة على عرش الاغنية اليمنية بشهادة جمهور الفن اليمني والناقدين بمشاركاته الفنية والغنائية في الاعراس والمناسبات والاحتفالات والجلسات الخاصة وانتاجه الغزير وألبوماته الاكثر اطراباً وفتنة وجمالاً ، بعد أن رحلت كوكبة من نجوم الفن اليمني الاصيل ، ليطغى بريق ونجومية الفنان حمود السمة الذي يشار اليه بالبنان في سماء الفن اليمني الاصيل رغم حالة العقم الفني والجفاف الثقافي وغياب القصيدة وغياب وتغييب وزارة الثقافة وتجرد الحكومة عن القيام بمسؤولياتها تجاه الفنانين وكافة الفنون.
*رئيس تحرير سام برس

Exit mobile version