د. حامد أبو العز*
لم تكن السعودية وحدها من طالبت رعاياها بمغادرة لبنان على الفور، فالكويت ومن ثم البحرين طالبتا مواطنيها بمغادرة لبنان بأقصى سرعة ممكنة، فيما اكتفت قطر كخطوة مبدئية بحث رعاياها على تجنب مناطق الاضطرابات الأمنية. يعتبر ناقصاً كل تحليل أحادي البعد، يعتمد على أحداث مخيم عين الحلوة كمفسر للخطوة السعودية، إذ أن الخطوة السعودية جاءت تحديداً بعد هدوء الأوضاع نسبيا في مخيم عين الحلوة، كما أنّ الاشتباكات المسلحة ذات الطبيعة المحدودة والمحصورة ضمن إطار جغرافي ضيق هي صفة تميز الحياة اليومية في لبنان. إذاً كيف يمكن قراءة هذه التحركات وكيف يمكن البحث في أسبابها وتداعياتها على المنطقة وعلى لبنان كذلك؟
ما من شك بأن موضوع الاشتباكات في مخيم عين الحلوة يعتبر تطوراً أمنياً خطيراً يستدعي من الدول أن تطالب رعاياها بالحذر وعدم الاقتراب من مناطق الاشتباك، وهو توّجس مشروع استخدمته السعودية في تحذير مواطنيها، ولكن الخطوة السعودية أتت تماماً بعد انتهاء الأحداث وليس خلالها. كما تدرك السعودية جيداً (بالاستناد إلى السوابق التاريخية)، بأن هذا البيان سيلحقه بيانات مشابهة من الدول الخليجية في وقت يمر فيه لبنان بأسواء أزمة اقتصادية تعصف بالبلاد ناهيك عن الفراغ السياسي والدستوري الذي يعاني منه هذا البلد منذ أشهر، وعليه فإن فرضية أن تكون دعوة مغادرة رعايا دول الخليج للبنان مرتبطة بأحداث إقليمية أوسع وأكبر من لبنان أصبحت أقوى ولها دلائل كثيرة.
الداخل اللبناني
استذكر لبنان الذكرى الثالثة لانفجار مرفأ بيروت في وقت عصيب تضاعفت فيه الأزمة السياسية والاقتصادية في البلاد، لا توافق داخلي على انتخاب رئيس يدخل قصر بعبدا ولا حكومة مستقرة قادرة على إدارة البلاد ولا حاكم للمصرف المركزي قادر على ضبط قيمة العملة وحمايتها من التدهور ولا آفاق لحلول مستدامة توحي بخروج لبنان من النفط المظلم. لا بل على العكس، فبعد فشل مشروع المعارضة في فرض أسماء مرشحين لرئاسية الجمهورية يبدو بأن المعارضة تتجه إلى الإعلان صراحة عن أهدافها وغاياتها الحقيقية التي أخفتها منذ الحرب الأهلية وهي الدعوة إلى “الفيدرالية” وهو مطلب حزب القوات اللبنانية الذي يتحدث عنه بين الفينة والأخرى. فهذا الفريق وذاك يعلبون مصطلحات خطيرة “كالفيدرالية” ضمن تعابير سياسية عنصرية خطيرة ك”لكم لبنانكم ولنا لبنانا” أو “استعادة الحق المسيحي المنهوب”.
علينا أن نشير بشكل صريح وأوسع إلى تحذيرات سابقة للسفارة الأمريكية في بيروت منتصف الشهر الماضي والتي دعت من خلالها الأمريكيين إلى الابتعاد عن الحدود الجنوبية المتاخمة لإسرائيل والابتعاد كذلك عن مخيمات اللاجئين فيما أسمته السفارة “باحتمالية ظهور اشتباكات مسلحة”.
وليس بعيداً عن الأحداث الداخلية في لبنان يجب الإشارة إلى ملف اللاجئين السوريين، حيث يبدو بأنّ هناك تنسيق دائم بين الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة من جهة وبين الفرقاء السياسيين في لبنان إذ يتفق الطرفان على الحفاظ على ورقة اللاجئين كورقة ضغط ضد لبنان وضد سوريا معاً. هذا التنسيق جاء عبر قرار الاتحاد الأوربي رفض عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم ويتعزز هذا القرار من خلال رفض من توصف نفسها بالمعارضة اللبنانية فتح أي قنوات حوار مع الحكومة السورية لإعادة اللاجئين إلى بلادهم.
لبنان في المعادلة الإقليمية والدولية
السعودية عبر اتخاذها قرار منع السفر إلى لبنان إما أنها تعلم أو أنها تقرأ التحركات الأمريكية في سوريا جيداً. إرسال طائرة “F35” الأمريكية وارسال شحنات كبيرة من الأسلحة، وجمع المرتزقة في سوريا، كلها دلائل على اقتراب الاشتباكات هناك. فالأمريكيون وما يسمى التحالف يحشدون لضرب الجيش السوري بعد فشل مخططاتهم السابقة ويحاولون استغلال انشغال روسيا في أوكرانيا، ولذلك فقد جاء الرد واضحاً من المناورات السورية-الروسية للتأكيد على جاهزية هذه القوى في المواجهة الحاسمة في سبيل اخراج القوات الأمريكية المحتلة من الأراضي السورية بشكل كامل.
الجميع يعلم بأن مثل هذه المواجهات ستنعكس بشكل حتمي على لبنان خصوصا بأننا نستطيع الجزم بأنّ لبنان سيكون هدفاً لإسرائيل خلال هذه المواجهات. ولذلك لا بد من إغراقه بأزمة انشقاق داخلي وأزمة اقتصادية مستمرة لإخراجه من مدار المواجهة أو حتى الدعوة لتجزئته أو تضعيفه.
ختاماً، لا ينبغي الاسهاب والإغراق في تحليل البيانات التي تطالب رعايا الدول الأجنبية بمغادرة لبنان لإن هذه البيانات تأتي في سياق داخلي وإقليمي خطير. من واجب الحكومة الحفاظ على الأمن الداخلي والاستعداد لاشتباكات محتملة في المخيمات كما أنها مطالبة برفع مستوى الاحتياط على الحدود الجنوبية تحسباً لأي اعتداء إسرائيلي على الأراضي اللبنانية. وأما عن الفرقاء السياسيين في لبنان فاليوم هو يوم تغليب المصالح الوطنية على “الانتماء المزيف” “والمواقف المخربة” اليوم هو يوم التخلي عن مشاريع تقسيم لبنان والمحافظة على وحدته ومحاولة ملئ الفراغ الدستوري والسياسي للبلاد فالسفينة واحدة إن ثقبت في مكان فسوف يغرق الجميع.
*كاتب فلسطيني وباحث السياسة العامة والفلسفة السياسية
ما الذي يُحاك للبنان؟!
