بقلم/ فيصل مكرم *
▪بعدَ اقتسامِ المُنتصرين في الحربِ العالميَّة الثانية النفوذ والهيمنة على العالم، ومع بداية خمسينيات القرن الماضي دخل العالم ولأربعة عقود فيما عُرف بالحرب الباردة، استمرَّت لنحو أربعة عقود بين القوتَين العُظميين الولايات المُتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفييتي، وسادها تسابقٌ في الاستقطاب والتسليح النووي بين حلف الأطلسي «الناتو»، بقيادة واشنطن التي نصَّبت نفسها المُدافعَ عن النظام الرأسمالي، وحلف «وارسو» بقيادة موسكو البلشفية التي جعلت من نفسها قائدةً للاشتراكية العالمية ونصيرًا لثورات التحرّر الوطنية من الاستعمار والأنظمة الموالية للغرب في مُختلف قارات العالم. بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وتفكك منظومته الاشتراكية في مطلع تسعينيات القرن الماضي أصبحت الولايات المُتحدة الأمريكية تتسيّدُ النظام العالمي الجديد دون مُنازع، وأبقت على حلف «الناتو» لتأكيد نفوذها أوروبيًا ومُحاصرة روسيا ووضعها خارج مُعادلة النفوذ الدولي، غير أنَّ وصول الرئيس بوتين إلى عرش الكرملين وطفرة النهضة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية للصين باتا مُهدّدين جديدين لسيادة القطب الأوحد، وأصبح الطموح بعالم مُتعدّد الأقطاب قاسمًا مُشتركًا بين بكين وموسكو، ما أربك حسابات واشنطن وتعاطيها مع كل المُتغيّرات والأزمات التي يشهدها العالم، أقله في العقدَين الأخيرَين، ومن ثم بات على واشنطن تحجيم كلتا القوتَين الروسية والصينية معًا.
▪واشنطن معنيةٌ بتأكيد نفوذها الدولي وحماية مصالح حلفائها، ويبدو أن الحرب التي شنّها بوتين على أوكرانيا، باتت عمليًا حرب استنزاف للجيش الروسي بدعم أمريكي أوروبي بريطاني، ومُعادلة الاستنزاف الأحادي إلى استنزاف ثنائي، حيث بالمُقابل يجري استنزاف خزائن الأموال ومخازن السلاح والذخائر الأمريكية والغربية، في أوكرانيا، وفي حين كانت الصين توسّع نفوذها الاقتصادي بقوة في القارة الإفريقية انضمّت إليها موسكو عبر جَناحها العسكري قوات فاغنر لسحب البساط من تحت أقدام فرنسا وبعض دول أوروبا المُهيمنة على غالبية دول القارة الغنية بالمعادن الثمينة والثروات الطبيعية وتحصل على نوع من التفوّق على واشنطن في هذه القارَّة المُنهكة بالأزمات والحروب، ومن هنا يمكن القول: إنَّ حَلْبَة الصراع بين العمالقة تتسع وباتت عابرةً للقارات ومُحاطةً بالكثير من المُتصارعين ينتظرون فرصة الحصول على نصيب من التحالفات والاستقطابات مما سيُخلفه صراع الكبار على النفوذ والمصالح العابرة للمُحيطات، وهو مؤشر لحرب باردة جديدة مفتوحة على كل الاحتمالات، فيما تبقى الشعوب الفقيرة والدول الضعيفة والمُنهكة بأزماتها هي الضحية وهي من يدفع الثمن .
*نقلا عن جريدة الراية
fmukaram@gmail.com
تويتر @fmukaram
