د. حامد أبو العز*
أظهرت حادثة “الكحالة” في لبنان مدى هشاشة الوضع الأمني في البلد الممزق اقتصادياً وسياسياً وأظهرت الحقد الدفين واحتمالية التحضرّ لحرب أهلية مدمرة تعصف بحدود البلاد من شمالها إلى جنوبها. فقط في لبنان، من الممكن أن تشاهد حادث مروري يتحول إلى أزمة سياسية وينتج عنها عمليات قتل بالسلاح. لا نريد أن ندعم هذا الطرف أو ذاك، إلا أن الحادثة تدفعنا إلى التساؤل المشروع: هل جاءت الاشتباكات نتيجة تحضر مسبق لمثل هذه الفتن وماذا لو لم يتم كشف هوية أصحاب الشاحنة، هل كانت ردة فعل الأطراف المسلحة التي اعتدت على السائقين ستكون مشابهة؟
من الممكن أن نضع رأسنا في الطين كالنعامة وندّعي بأنّ ما حصل حادث عابر ومتكرر في لبنان ولا شيء جديد، إلا أن هذا النوع من التحليل يمنعنا من فهم ما يحدث في لبنان ويحول دون طرح حلول حقيقية للحيلولة دون الفتنة الكبرى. في البداية كان حادث شاحنة حزب الله حادثاً طبيعياً إذ لم تتضح الصورة لمن تنتمي هذه الشاحنة ولكن وبمجرد كشف هوية أصحاب الشاحنة بدأت الجماعات المسلحة التي تنتمي إلى المعارضة اللبنانية بإطلاق النار على السائقين والمرافقين للشاحنة.
لم يتواصل حزب الكتائب أو القوات اللبنانية بقوات الجيش اللبناني كي تتولى مهمة معالجة انقلاب الشاحنة في منطقة الكحالة ولم يقوموا باستدعاء قوات الأمن بل وكما تشير الحقائق والتقارير قرروا مهاجمة الشاحنة والأفراد المتواجدين فيها بشكل مباشر. لا يمكن قراءة ما جرى هناك إلا في سياق متصل مع أحداث “الطيونة” عندما قامت جماعة القوات اللبنانية بإطلاق النار على مجموعة من المتظاهرين السلميين من حزب الله وحركة أمل كانوا يتحضرون للاحتجاج على تسيّس القضاء في وقتها. والمشترك بين هاتين الحادثتين هو تأكيد هذه الأحزاب على سيطرتها على مناطق تواجدها واستلامها زمام الأمن والنظام في هذه المناطق. ولتوضيح الصورة يجب القول بأنّ ما يجري هو ترسيخ لعقيدة هؤلاء بأنه لا ينبغي دخول مواطنين من غير الأحزاب والطوائف اللبنانية الأخرى إلى هذه المناطق بشكل كامل.
أكد أعضاء في حزب القوات أكثر من مرة على ضرورة عدم بيع أو تأجير المنازل أو الأراضي أو المحلات التجارية في المناطق التي تتواجد فيها إلى الطوائف الأخرى وأكدوا أكثر من مرة على مناطق: جبل لبنان وبعبدا وكسروان وجبيل وغيرها من المناطق.
العجيب في كل ما حدث هو التصريحات النارية التي أطلقها سامي الجميل رئيس حزب الكتائب اللبنانية والذي أكد على أنهم ليسوا مستعدين للتعايش مع ميليشيا مسلحة في لبنان بحسب وصفه. وأكد خلال مؤتمره الصحفي بأن هناك تواطؤ بين الدولة اللبنانية وحزب الله. كل هذه التصريحات تؤكد الحقيقة المرّة التي أشرنا إليها أعلاه وهي أن هذه الأحزاب تنوي خلق مساحات مواجهة خالصة في الداخل اللبناني ولذلك تطلق العديد من الشعارات التي تروّج لمفهوم بأن المكونات الطائفية الأخرى في لبنان لا تمثل لبنان الحقيقي بحسب زعمهم وعليه فلا بد من تسلم زمام المبادرة بتنقية مناطق تواجد هذه الأحزاب من الطوائف الأخرى. وعليه ومرة أخرى فالحديث عن لبنان واحد وسقف القانون والتعايش والترابط الاجتماعي وغيره من المصطلحات لا مكان لها في قاموسهم.
اتهم الجميل حزب الله بأنه “ميليشيا مسلحة”، وكأن من قام بإطلاق النار على الشاحنة بناء على هوية سائقها أو تبعيتها إلى حزب الله كانوا سكاناً من المنطقة؟؟ أليس من قام بإطلاق النار دون انتظار الجيش أو قوات الأمن هو خارج عن القانون وميليشيا مسلحة؟؟
ختاماً، لبنان وللأسف أمام منعطف تاريخي خطير، وهذه الحادثة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة التي تكشف عن مدى الحقد والخلافات الدفينة في البلاد. مارس حزب الله ضبط النفس وأوكل مهمة التحقيق إلى الجيش اللبناني ولم يستخدم سلاحه ولم يطلق تصريحات نارية ولم يلجأ إلى منطق القوة وذلك ترسيخاً للاعتقاد الراسخ لديه بأن سلاح المقاومة وجهته واحدة هي نحو إسرائيل وبأن لبنان لا يتحمل وقوع حرب أهلية أخرى.
ولذلك ومرة أخرى لا بد لهذه الأطراف أن تفهم أهمية الحوار بين الفرقاء السياسيين وعليهم أن يعلموا كذلك بأن البلد لا تدار بطريقة قطاع الطرق بل عبر تفاهمات سياسية وحوارات مستمرة. على أي حال لا ينسى أحد بأن أي أحداث أمنية في لبنان سيكون المستفيد منها إسرائيل وإسرائيل وحدها ولن يخرج أحد منتصر في لبنان بل هذه الاحتقانات سوف تدفع البلاد إلى نقطة اللاعودة حيث لا شيء أخر سوى الدماء والحرب والخراب والدمار.
*كاتب فلسطيني واكاديمي فلسطيني
