اليمن الحر الأخباري

رداً على وزير خارجية الاحتلال!

د.رجب السقيري*
في مقالٍ له يوم الأربعاء الماضي في جريدة وول ستريت جورنال الأمريكية ، نشرته أيضاً صحيفة جيروزالم بوست الإسرائيلية وصحف أخرى ، يقول وزير خارجية إسرائيل إيلي كوهين إن الضمانات الأمنية التي منحتها الولايات المتحدة لكوريا الجنوبية ضد أي اعتداء من جارتها الشمالية التي تملك أسلحةً نووية قد طمأنت كوريا الجنوبية وجعلتها في غنى عن امتلاك برنامج نووي خاص بها ، ويضيف كوهين ،لا فُضَّ فوه ، أن نموذج كوريا الجنوبية هذا يصلح للتطبيق على المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى ويساعد على إحلال السلام في الشرق الأوسط ، حيث أن ضمانات أمنية أمريكية تمنح للسعودية ضد “اعتداءات إيرانية محتملة” سوف تجعل الطموحات النووية للسعودية غير ضرورية. وعليه، يستنتج كوهين، أن طلب السعودية من الولايات المتحدة تزويدها ببرنامج نووي كأحد الشروط الثلاثة للتطبيع مع إسرائيل لا مبرر له. (الشرطان الآخران إقامة الدولة الفلسطينية وتزويد السعودية بأسلحة أمريكية متطورة وعالية التقنية).
وهنا لا بد من إبداء عدد من الملاحظات على مقال إيلي كوهين، واضح أن المقال موجه ضمناً وبشكلٍ أساسي للقاريء الأمريكي وبالذات للنخبة السياسية في الولايات المتحدة ، بما في ذلك كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية وأعضاء الكونغرس ، إلا أنه يتجاهل السؤال الأهم في هذا السياق . فإذا كانت الضمانات الأمنية الأمريكية لكوريا الجنوبية قد أغنت الأخيرة عن الشروع في إقامة برنامج تسلح نووي خاص بها فمن باب أولى أن تكتفي إسرائيل نفسها أيضاً بالضمانات الأمريكية للدفاع عنها وتتخلى عن برنامجها النووي وتنضم إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) وتضع منشآتها النووية تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) ، علماً بأن إسرائيل هي واحدة من أربع دول فقط في العالم ما زالت خارج معاهدة عدم الانتشار النووي التي تضم في عضويتها 191 دولة ، كما أنها ، أي إسرائيل ، هي الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي لم تنضم إلى المعاهدة رغم امتلاكها ترسانة كبرى من الأسلحة النووية علماً بأن إسرائيل لا تنفي ولا تؤكد ذلك.
يتجاهل كوهين في مقاله، وربما عن عمد، أن ما تطلبه المملكة العربية السعودية هو برنامج نووي للأغراض السلمية وليس برنامج للتسلح النووي ، علماً بأن أكثر من 140 دولة في العالم لديها برامج نووية للأغراض السلمية بما في ذلك كوريا الجنوبية نفسها (النموذج الذي يشير إليه كوهين)، وستكون السعودية واحدة من هذه الدول، علماً أيضاً بأن السعودية منضمة إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية NPT منذ عام 1988 الأمر الذي يعني أن من حقها الحصول على برنامج نووي سلمي وأنها مستعدة لوضع أية منشآت نووية لذلك البرنامج تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، إضافة إلى أن السعودية قد أبدت استعدادها لقبول رقابة أمريكية إضافية .
إذا ما أضيف رفض إسرائيل للبرنامج النووي السلمي السعودي إلى رفضها للشرطين الآخرين وهما أولاً إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على خطوط الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية (ليس أدل على رفض إسرائيل لهذا الشرط من تأكيد نتنياهو رئيس الحكومة الأكثر تطرفاً في تاريخ الدولة العبرية على ضرورة “اجتثاث” فكرة الدولة الفلسطينية) ، وثانياً تزويد المملكة بأسلحة أمريكية عالية التقنية وبالذات أنظمة دفاعية متطورة ضد الصواريخ البالستية ، وقد صدرت تصريحات خلال الأيام القليلة الماضية عن مسؤولين إسرائيليين مفادها أن تزويد السعودية بأسلحة متطورة من شأنه أن يفقد إسرائيل تفوقها النوعي في التسلح في منطقة الشرق الأوسط .
وعليه تكون إسرائيل قد رفضت الشروط السعودية الثلاثة للتطبيع مع الدولة العبرية مما يعني اكتمال إجهاض صفقة التحالف الأمني السعودي الأمريكي التي يفكر الرئيس جو بايدن بإطلاقها كما جاء في مقال الصحفي الشهير توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 2023/7/27 (راجع مقالي المنشور في هذه الصحيفة بتاريخ 2023/8/5 بعنوان “أُجهضت قبل أن تعلن … قراءة متأنية لصفقة بايدن السعودية وبالون توماس فريدمان الاختباري” ).
جديرٌ بالذكر هنا ومنعاً لأي التباس أن الصفقة التي يفكر بها بايدن كما وردت في مقال فريدمان لا تتماهى مع الشروط السعودية الثلاثة المذكورة لا سيما فيما يتعلق بالدولة الفلسطينية ، إذ أن المطلوب من إسرائيل كما ورد في مقال فريدمان هو فقط الإبقاء على حل الدولتين قائماً (رغم أن الرئيس الأمريكي بايدن كان قد عبر سابقاً خلال زيارته لبيت لحم في الضفة الغربية عن قناعته بأن هذا الحل بعيد المنال) ، إضافة إلى ذلك مطلوب من إسرائيل تقديم بعض “التنازلات” الأخرى مثل نقل بعض الأراضي من منطقتي B و C إلى ملكية السلطة الفلسطينية لتضمها إلى مناطق A .
خلاصة القول أن إسرائيل لا سيما في عهد الحكومة الحالية الأشد تطرفاً ماضيةٌ في غيها و تشددها وما زالت تتبع نظرية نتنياهو “السلام مقابل السلام” وغير مستعدة لإبداء المرونة بأي شكلٍ من الأشكال رغم حاجتها الماسة إلى المزيد من التطبيع كما تقول . تريد التطبيع مع الدول العربية بل والإسلامية أيضاً وتعتقد أن ذلك ممكن دون تحقيق أي تقدم نحو حل القضية الفلسطينية ودون وقف الاستيطان أو حتى إبطاء وتيرته ، بل إن جوابها على السؤال غير البريء الذي يطرحه توماس فريدمان : أيهما أفضل ضم الضفة الغربية بسكانها الفلسطينيين الذين يبلغ تعدادهم حوالي ثلاثة ملايين نسمة أم التطبيع مع المملكة العربية السعودية الذي يفتح الباب مشرعاً (على حد وصفه) للتطبيع مع الدول الإسلامية كافة ؟ والجواب معروف طبعاً وهو تكرار لرد فعل إسرائيل على مبادرة السلام العربية عام 2002 الأمر الذي يشكل تحدياً سافراً ليس للشعب الفلسطيني فحسب بل للأمتين العربية والإسلامية .
*سفير سابق وباحث في العلاقات الدولية والدراسات الدبلوماسية

Exit mobile version