اليمن الحر الأخباري

الطّريق لصيغة مُقاومة فلسطينية مُنتجة!

فؤاد البطاينة*
نجح الغزاة بداية في احتلال فلسطين لتفوقهم العسكري على أصحاب الأرض الذين لم يكونوا مؤهلين عسكريا لرد العدوان، ولفشل العرب بردِّه لذات السبب مضافا اليه الخيانة. ولن يُزال هذا الإحتلال إلا بإفشال هذا التفوق . وهذا ليس ممكناً في ظل تعاظم التفوق العسكري إللّا بالمقاومة. والمقاومة الفلسطينية لم تتوقف ولم يتوقف معها التآمر عليها فلسطينيا وعربياً . واستمر رهان الفلسطينيين على العرب رغم نكساتهم المتتالية حتى بتنا اليوم في واقع تستكمل فيه “اسرائيل” احتلالها لكل فلسطين منتظرة الظرف لتقنين ضم الضفة الغربية وتقنين يهودية الدولة وإنكار الحقوق السياسية والتاريخية للفلسطينيين في وطنهم . بينما استقرت الأنظمة العربية ما بين متعاون وداعم للكيان، وبين متخل عن مسؤوليته اتجاه القضية معتبرينها قضية الفلسطينيين وحدهم.
الكيان اليوم لا يشعر بخطر على احتلاله من مقاومة فلسطينية معظمها منضوي تحت جناح سلطة أوسلو، والباقي محاصرة في غزة ويجري تدجينها وانخراطها بالجو الفاسد. ولا من ثقل سياسي لملايين فلسطينيي الشتات الذين بات الكثيرون منهم بمرور الزمن وطول الغربة وكبَد العيش يذوبون في المجتمعات الأخرى ويتحولون لمتعاطفين مع القضية الفلسطينية بدلا من أن يكونوا جزءا منها وشركاء مسؤولين . لكن الكيان يشعر بخطر شديد من جهتين فقط نتصفحها وصولا للحقيقة وبحثا عن وسيلة التحرير، وهي موجودة وسهلة.
الأولى، حزب الله كقادر على إحداث تدمير في الكيان وإفراغه من مستوطنيه عصب وجوده، وهذا رهن بوقوع المواجهة بين الطرفين. لكنها لن تقع إللّا ضمن شروط من الصعب توفرها. ولا أتحدث هنا عن التحرير فهذه مهمة مناطة بالفلسطينيين لأسباب ومستجدات كثيرة.. ومع ذلك فالحزب يخدم شعوب العرب بكبحه الكيان عن تنفيذ الكثير من المخططات الأكثر تدميرا لوجودهم
فالحرب بين حزب الله والكيان، ليست سهلة على أي طرف وخطرها على الكيان يرقى لوجوده،بينما خطرها على إيران بالغ في منجزاتها وربما يصل لتغيير النظام. وإذا حدثت المواجهة يوما فالأرجح أن تكون قراراً أمريكيا وتكون “اسرائيل” هي البادئة سواء بالهجوم على إيران أو على حزب الله. وهذا أمر مرتبط بكيفية وطبيعة نهاية الصراع السياسي بين إيران وأمريكا بالذات. والى أن تصل أمريكا لقرار الحرب أو لقرار السلم مع إيران، تكون الفرصة متاحة أمام حزب الله لتحقيق الكثير من المكاسب المشروعة بالضغوطات على إسرائيل غير الجاهزة للمواجهة.
ما أريد قوله أن تحرير فلسطين أو المحتل عام 67 لم يعد ممكنا تحقيقه عربياً أو دوليا ولا بصيغة المقاومة القائمة بظروفها في فلسطين، وأنها مهمة باتت فلسطينية وسهلة التحقيق إذا ما انقلب الشعب الفلسطيني على شيطنة المقاومة الفلسطينية ومحاصرتها وتدجينها باتباع صيغة أخرى للمقاومة الفلسطينية. وهذه الصيغة تنقلنا للخطر الثاني والأعمق على “إسرائيل ” وتتمثل في “الإنتفاضة الشعبية” التي تبزغ بوادرها في مدن ومخيمات الضفة، والتي يعقد الكيان لتفاديها سلسلة من الإجتماعات مع دول التطبيع ابتدأ ت في النقب وتتعثر في الرباط، وقبل أن أتكلم بهذه الإنتفاضة وكيف سيكون الخلاص فيها كفكرة أساسية في المقال، أخاطب فرسان من انتهوا بمقاومتهم لمجرد مناورات سياسية لدورهم في تأخير حدوث هذه الانتفاضة المطلوبة وأقول.
الجانب المشرق في الحالة الفلسطينية المتردية بزغ بإصرار شعب الأراضي المحتلة على الصمود والتحرير مجسداً بثورة مدن ومخيمات وبسلسلة لا تنقطع من العمليات الاستشهادية الأسطورية رغم كلفتها المؤلمة جداً، أعجزت حكومة التطرف الصهيونية وأرعبتها وأفقدتها وعيها السياسي باستعانتها بإرهاب المستوطنين . إنها مقاومة متصلة بتراجع المقاومة الغزية وإيغال السلطة وفصائلها الصورية بالخيانة . وفيها تعرية لعبثية جميع اللاعبين على الساحة الفلسطينية ولانحرافات كل الفصائل المقاومة التي تقصم ظهر القضية وشعبها وإليهم نقول. لقد وصلتم سقفكم النضالي والسياسي كما وصلت سلطة أوسلوسقفها، وانحدرتم بالثوابت وقدسيتها وبمهادناتكم السياسية والعسكرية وأصبحتم تجار مقاومة سياسة، فخذلتم صعود مقاومة الضفة واختبأتم خلف إدانتكم لسلطة أوسلو شريكتكم السياسية وأنتم تعلمون بأنها تقوم بوظيفتها.
لا نلومكم بظروفكم، ولكن ندينكم بهجركم للثوابت وخضوعكم للإبتزاز والشروط الصهيونية وبتراجع نظرتكم للقضية الفلسطينية ودخولكم مع الكيان ودول التآمر في صفقات سياسية واقتصادية وتطبيعية. ولا تفسير لهذا سوى الإصرار على الحفاظ على بقائكم بعد فشلكم واستثمار هذا الفشل. ووقعتم بفخ التعري قطعة وراء قطعة. أنتم كالسلطة احتكرتم القرارات السياسية باسم المقاومة بمعزل عن التشاركية مع ملايين الفلسطينيين في الداخل وبالشتات وفيهم من صفوة النخبة العالمية فكرا وعلما وسياسة. سبحانك ربي صعودكم صعود فتح وهبوطكم هبوطها.
ترجلوا عن ألأحصنة الخاسرة واحتكار الحقيقة بكل أسمائكم واجعلو شعاركم “فلسطين أولا” واخرجوا من الحصار وحالة الهوان السياسي بوسيلة الدفع نحو انتفاضة شعبية فلسطينية . فلا ترعبكم فكرة الانتفاضة كما ترعب الكيان والسلطة، ولا تحسبوها تهديداً لمصالحكم ومكاسبكم وايدولوجياتكم.
فالإنتفاضة هي الصيغة المناسبة والناجعة للمقاومة في الحالة الفلسطينية، والتي لو حدثت بقيادة سياسية واعية فستكون وحدها كفيلة بسقوط السلطة وبتحرير الضفة وجعل حل الدولتين خياراً “إسرائيليا”. بما ستلقاه من تعاطف دولي وغربي عارم. حيث ليس من مصلحة دول لغرب ضم الكيان للضفة الغربية وتأزيم الأمن والاستقرار المواتي لها في المنطقة العربية، ولا من مصلحتها تأجيج الصراع مع الشعوب العربية والإسلامية، فهي ليست مأخوذة كأمريكا بأولوية الفكرة الدينية المتشعوذة على حساب مصالحها العليا المستقرة في المنطقة،ولا من مصلحتها ومصلحة دول العالم ولا حتى من مصلحة أمريكا أن تتجاوز “إسرائيل” الحدود التي من أجلها دعم الغرب غزوها لفلسطين، بل لو استقام التفكير فلم يعد للغرب مع الإنبطاح العربي حاجة “لإسرائيل” ولا أن تصبح المنطقة حكرا على طموحات وأطماع المشروع الصهيوني.
هذه الإنتفاضة وحدها ستجبر “اسرائيل” على تنفيذ ما عجز العالم عن اقناعها بتنفيذه حتى أمريكا، وهو حل الدولتين. وهذا يذكرني بمثال حزب الله حين نجح من حيث فشل العالم باقناع اسرائيل بالانسحاب من الجنوب اللبناني. وسيتعاطف المجتمع الدولي مع هذه الإنتفاضة ويضغط باتجاه هذا الحل وإزالة الواقع الديمغرافي والجغرافي المعيق له، لتوافقه مع تحقيق ما سبق ذكره ومع مضامين قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة التي صاغها الغرب والشرق وعجز عن تنفيذها، ومع الرباعية الدولية الممثلة لقوى العالم التي صاغت الحل وعجزت عن تنفيذه. إن حل الدولتين وحده الذي يحقق النجاة للأردن كدولة، ويحافظ على الهويتين السياسيتين الوطنيتين الأردنية والفلسطينية، ويشكل الأرضية لنهاية الوجود الصهيوني في فلسطين والمنطقة.
*كاتب وباحث أردني

Exit mobile version