صالح القزويني*
منذ أكثر من 20 عاما وايران تحلم بظهور تحالف اقتصادي ومالي يكسر الاحتكار الغربي وخاصة الأميركي للاقتصاد العالمي، وطالما عبرت عن حلمها بالدعوة بشكل صريح أحيانا ومبطن أحيانا أخرى بضرورة كسر هذا الاحتكار، ولعل مشاركة الرئيس الايراني في قمة مجموعة بريكس في عاصمة أفريقيا الجنوبية جوهانسبورغ تعبير حي عن هذا الحلم وتلك الدعوات.
ولكن ألا تحمّل طهران بريكس أكبر من طاقتها وما لا تحتمل؟
بالتأكيد ذلك، ولكن يا ترى هل ان طهران لا تدرك انها تحمل بريكس أكبر من طاقتها؟ فاذا كانت تدرك ذلك فلماذا تراهن عليها، وإن لم تدرك فان جميع المؤشرات تدلل بشكل واضح ان بريكس لن تتحول الى قطب اقتصادي على المدى القريب يقف بوجه الولايات المتحدة وعموم الغرب ويتحداهم؟ غير ان ايران تبدي اهتمامها بالمجموعة وتشارك في اجتماعها على أعلى المستويات لتوحي للعالم ان سياسة عزل طهران وفرض العقوبات عليها لن تلوي ذراعها.
ايران تعتقد أن احدى سبل التخلص من الهيمنة الغربية انما بظهور تحالفات دولية توفر فرصة تمسك الدول باستقلالها وسيادتها على قرارها، ولذلك فانها حرصت على الانضمام لمثل هذه التحالفات، كمنظمة شنغهاي، واتحاد أوراسيا، والان تسعى للانضمام لبريكس.، ولا شك أن كل هذه التحالفات توفر نافذة لايران لابعاء الضغوط والعقوبات الغربية ضدها، وتزايدت حاجة ايران لظهور مثل هذه التحالفات في السنوات الأخيرة وبالتحديد عندما انسحب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي ونفذ سياسة الضغوط القصوى ضد ايران، وكانت احدى جوانبها الرئيسية هي منع التبادل المالي وخاصة الدولار مع ايران.
ولكن هناك بونا شاسعا بين ما تطمح اليه طهران وبين واقع وطموح بريكس، فأساسا المجموعة لم تأسس لتكون قطبا أمام الغرب وانما تأسست كرد فعل على تأسيس الغرب لمجموعة 7G، حيث أن المجموعة تجاهلت روسيا والصين والهند والبرازيل وأفريقيا الجنوبية ولم تضمها اليها لذلك ظهرت المجموعة لتكون نافذة للتعاون فيما بينها، فهذا ملخص قصة ظهور بريكس، وعلى نت أن المجموعة تأسست احتجاجا على تهميش الغرب لها إلا أنه لا يبدو تريد المواجهة والمنافسة السلبية التي تطيح بالآخر في حلبة الصراع.
هذا في الوقت الذي تمتلك فيه مجموعة بريكس كل المؤهلات الضرورية التي تجعلها قطبا اقتصاديا ومن ثم قطبا سياسيا اساسيا في العالم وتنهي الاحادية الغربي وخاصة الأميركية التي جرّت الويلات للعالم سواء بالاحتلال والغزو العسكري وتوجيه الضربات العسكرية للعديد من الدول أو فرض العقوبات على هذه الدولة أو تلك.
ومن المؤهلات التي تجعل بريكس من التكتلات المؤثرة في العالم هي، انها تشكل مجتمعة قوة ديموغرافية ضخمة، حيث تشكل ما يزيد عن 40 %من سكان العالم مع ما فرضته هذه القوة من قدرات استهلاكية وقوة عمالية ضخمة تكون ميزات تنافسية لدولها كالصين والهند. أما من الناحية الاقتصادية، تبلغ الصادرات السلعية عام 2022 ما يقارب 6.4 تريليونات دولار أي 7.20 %من اجمالي الصادرات السلعية العالمية، في حين بلغت وارداتها السلعية 9.3 تريليونات دولار، مامثل 17% من إجمالي الواردات السلعية للعامل. 25 %من الاستثمار الأجنبي، وما يزيد عن 30 %من الناتج الاجمالي الاحتياطي النقدي الأجنبي المشترك لدول تجمع البريكس و َّقدر بنحو 4 تريليونات دولار ُ من الاجمالي العالمي مجتمعة . أما جغرافياً، تسيطر دول هذه المجموعة على مساحة 26 %من الكرة الأرضية.
ويتميّز تكتل دول البريكس أيضا بضم البرازيل ك كقوة اقتصادية رئيسية في اميركا الجنوبية، و دولة جنوب افريقيا التي تعتبر قوة مؤثرة في القارة الافريقية والدولة الأكبر فيها ، الى جانب الصين القوة الصناعية والإنتاجية الأولى في العامل او كما يطلق عليها “مصنع العامل”، و روسيا وتأثيرها السياسي العالمي ودولة ذات احتياطيات من موارد الطاقة الأساسية إضافة الى موقعها الاستراتيجي عالمياً، والهند كأكبر دولة من حيث السكان في العالم و تتميز بالتقدم والنمو التكنولوجي والاقتصادي . تتنوع هذه الدول من حيص شكل الأنظمة السياسية ، وتتميز باعتمادها على تحرير الأسواق والتجارة والتنمية الصناعية وعلى الإنتاج. هذه الخصائص، تجعل من البريكس تكتلاً اقتصاديا وسياسيا فاعلاً في حال بدء العمل جدياً على تطوير الشراكات الاقتصاديةّ ويجعل من قو ته وزناً وثقلاً في القرارات الدولية ومؤثراً في الأسواق العالمية.
التباين في سياسات الدول الأعضاء يجعل التكهن بظهور عملة موحدة لبريكس على المدى القريب أمر في غاية الصعوبة، فمن المؤكد أن روسيا والى حد ما الصين وايران التي ستضم بشكل رسمي وبكامل العضوية للمجموعة بداية العام القادم تدعم بكل قوة هذه الخطوة، ولكن الهند والبرازيل وأفريقيا الجنوبية لا تبدي تفائلا بهذا الخصوص، لأنها لا تخضع لعقوبات أميركية كما هو الحال فيما يتعلق بروسيا وايران والصين.
لاشك أن الغرب سوف لن يقف مكتوف اليدين تجاه بريكس خاصة اذا كانت تحركاته أو تحركات الدول الاعضاء تشكل خطرا عليه، في هذا الوقت بالذات ربما تبدأ المواجهة وتقرر المجموعة اطلاق عملة موحدة.
*باحث في الشأن الايراني
حلم “البريكس”
