د.محي الدين عميمور*
كانت السلطات الفرنسية خلال مرحلة الاستعمار البغيضة تصطفي عددا من الأعيان الجزائريين ممن يتزوجون بفرنسيات فتتولى استقطابهم وتقديمهم للإعلام الدولي كأنهم ممثلون للشعب الجزائري الرافض، كما يقولون، لإرهاب قوات جيش التحرير الوطني.
وكان من بين هؤلاء موظف في مستغانم يُدعى “علي شكال”.
وفي 26 مايو 1957 يصطحب الرئيس الفرنسي “رينيه كوتي” شكال إلى مباراة في الكرة احتضنها ملعب “كولومبي” ويُجلسه إلى جانبه في المنصة الشرفية.
ويتقدم المناضل الجزائري “محمد بن صدوق” نحو المنصة، واثق الخطوة يمشي ملكا على رأي إبراهيم ناجي والست، بحيث لم يشك الحرس في نواياه، وعندما يقف أمام الرئيس وضيفه يطلق رصاصات دقيقة التصويب تردي الخائن، ولا تمس الرئيس الفرنسي بأي سوء.
وقبض عليه فكان يقول: كان هدفي هو الخائن ولو كنت انوي قتل الرئيس فلا شيئ كان يحول بيني وبينه..
ومنذ ذلك اليوم لم يجرؤ خائن على الاقتراب أو التودد للسلطات الإستعمارية، بل إن المفاوضين الجزائريين في “إيفيان” لم يصافحوا الوفد الفرنسي المفاوض إلا بعد التوقيع نهائيا على المحادثات، ولم نشهد عناقا متبادلا حارا للقبلات.
طاف كل هذا في مخيلتي وأنا أتابع ما رُوِي عن “المخلوقة” الليبية التي اختلى بها عنصر صهيوني في إيطاليا، ولم يُعرف ما إذا كان ذلك تم برضاها أما أنها آُسقِيت” شرابا أصفر اللون سريع الفعالية مضمون التأثير.
وتحدث سلسلة فضائح أراد بها رب العزة أن يكشف الأستار، فتسرب المصادر الصهيونية خبر “الوصال” بدون إخفاء نشوتها بنجاح التسرب إلى حرم “عمر المختار”، وأخطر من ذلك، تحتج المصادر الأمريكية “علنا” على تسريب “أبناء العم” للخبر، مما يفسد، حسب المصدر الأمريكي، الجهود الحثيثة التي تقوم بها واشنطون مع ليبيا، وعرب آخرين، لفرض التطبيع مع الكيان الصهيوني رغم أنف الشعوب.
لكن رد فعل الشارع الليبي كان صاعقا، حتى ولو لم يصدر حتى الآن أي رد فعل ساخط عن القائد العسكري الهمام، الذي يبدو أنه كان في الحمام، ولم يظهر في ليبيا حتى الآن محمد بن صدوق جديد.
ورب ضارة نافعة.
وربما كان هذا درسا جديدا يجب أن يتمعن فيه التلميذ البليد الذي يبدو أنه لا يريد أن يتعلم أبدا.
فكل الشعوب التي انتزعت حريتها استقلالها بالدم والعرق والدموع والنضال متعدد الأشكال، وحتى بمجرد التظاهر والهتافات الشفوية والمكتوبة، ما زلت صامدة إلى يومنا هذا تواجه بكل صبر وعناد محاولات الاختراق الصهيوني، حتى بمجرد التقطيب في وجه من يبدي تعاطفا مع العدو التاريخي للأمة، بل وبرفض التعامل الرياضي مع عناصر العدو: رغم التعقيدات التي يؤدي لها ذلك.
ولعل المثل الأول هو مصر الخالدة، فبرغم ما عانته وتعانيه أرض الكنانة ما زال شعبها قلعة صامدة ضد كل محاولات الاختراق التي لجأت أحيانا إلى أسلوب الإغراءات الفنية، أو ما يقال عنها كذلك عفة وأدبا.
والشعب المغربي لم ينحن أمام توجهات بعض قادته السياسيين، ولم يكتف يذلك بل اسقط حزب “أهل الجنة” الذي وقّع وثائق التطبيىع، ولم تقنعه المبررات التي أرادت أن تقدم بلاده الشريفة كتلك التي رمت نفسها في أعضاء فتوة الحيّ عندما قيل لها أن زوجها يخونهامع الخادمة.
ولم أقرأ، إلى يومنا هذا، حديثا لمثقف مغربي يبارك ما حدث من تحالف يُغلق الباب أمام آمال المستقبل.
ولا ننسى موقف الشعب الموريتاتي العظيم وإطلاق اسم “القدس” عل الشارع الذي توجدبه سفرة”اليانكي”، ولا هتافات الشعب في تونس ضد إغراءات التعامل مع العدو، برغم وجود تساؤلات كثيرة لم تجد بعد جوابا.
ولا يمكن أن أنسى وقفة رئيس البرلمان الكويتي الشامخة التي أعادت إلى الأذهان احتضان الكويت لبراعم الفكر القومي العربي، والذي منح الخليج وساما جديرا به وحتى لا أتهم بالشوفينية لن أستعرض كل ما حدث عند لقاء الفريق الرياضي الجزائري بنظيره الفلسطيني على أرض ملعب الجزائر.
باختصار شديد، الأمة بخير، وفي انتظار أن يعرف الوطن العربي نماذج جديدة من بن صدوق، ونعرف على وجه التحديد، من فم المخلوقة المعنية، ما حدث داخل غرفة روما المغلقة وماذا تم قبلها وبعدها هناك كلمة أخيرة للسيد محمود عباس، أرجو أن يُحسن قراءتها.
في التاريخ مكان محفوظ لعظماء عرفوا كيف يخرجون من باب السلطة الكبير فظلا كبارا، وفي طليعتهم مانديلا وكاسترو وربما أيضا شارل دوغول، لكن هناك أيضا مكانا لمخزن “كراكيب” التاريخ بل ونفاياته، الذين ينسون أن نملة هزيلة كشفت نهاية سيدنا سليمان.. وعصا المعني أصبحت لا تسند نملة ولا ذبابة.
وهؤلاء سيحرمون حتى من بعض الفضائل التي “ارتكبوها”، ونحن على ذلك من الشاهدين.
*كاتب ومفكر ووزير اعلام جزائري سابق
الطبع والتطبّع والتطبيع..!
