بقلم/ فيصل مكرم*
▪︎هناك مَثَل فرنسي يقول (لا تَشرب السُمَّ اتكالًا على ما لديك من الترياق) وحتى لو كان يعلم قائد قوات فاغنر يفغيني بريغوجين بهذا المثل فهو حتمًا لن ولم يستفد منه إذ دفعه جموحه وطموحه إلى حتفه في نهاية لم تخطر على باله، أقله قبل أن يعلن تمرده والزحف بالآلاف من مقاتليه نحو العاصمة موسكو وربما لم يكن يدري ماذا سيفعل في موسكو سوى إعلان عصيانه لرئيسه وتمرده على الجيش، وتسجيل نقاط تفوُّق على حاكم الكرملين في التوقيت الخطأ وفي لحظة فارقة ودقيقة.
▪︎لا أحد يحترم الخونة ولا أحد يبحث لهم عن مبررات لخيانتهم، فالخائن لا يَرتكب هذا الجرم وهو يحترم نفسه ويُدرك عواقب خيانته على وطنه وشعبه، غير أن قائد فاغنر بريغوجين -الذي شَغَل العالَم حيًا وميتًا- لم يرتكب عمليًا جريمة الخيانة العظمى كما يتصور البعض، وإنما هو رجل أخذته نشوة انتصار قواته على القوات الأوكرانية في باخموت وما أنجزه قبل ذلك في إفريقيا وسوريا وليبيا ليتطلع إلى تقديم نفسه للشعب الروسي بطلًا منقذًا، وأنه قادر على إزاحة خصومه في وزارة الدفاع وقيادة الجيش الروسي.
▪︎ لا شك بأن عملية إسقاط طائرة بريغوجين -أو تحطمها- وهو على متنها ومعه نائبه وكبار مساعديه العسكريين دفعة واحدة لها دلالات مهمة على صعيد مستقبل قوات فاغنر، فقد كانت عملية استخباراتية دقيقة ومعقدة أيا كان الطرف المنفذ، فإنه لا بد من ترتيبات تمت لمرحلة ما بعد بريغوجين بالنسبة لقوات فاغنر ومهماتها خارج روسيا فاسم هذه القوات وحده يثير قلق أطراف عديدة من العيار الدولي الثقيل ممن أفرحهم مقتل قائدها، وبالتالي لا يمكن الجزم حيال مستقبل هذه القوات التي أراد لها بوتين أن تكون ذراعًا لروسيا في توسيع نفوذها وتواجدها في مناطق الصراع على النفوذ مع الغرب في إفريقيا وغيرها، وبقاؤها رسالة للغرب بأن روسيا لا يمكن عزلها ولا تزال قادرة على منازعة وإقلاق خصومها في مناطق نفوذهم ومصالحهم، وإن حاصرتها العقوبات واستنزفتها الحرب في أوكرانيا، وعمليًا طويت صفحة بريغوجين إلى الأبد غير أن صفحة فاغنر لم تُطوَ بعد ومُرجح أنها ستبقى مفتوحة على كل الاحتمالات.
▪︎ *نقلا عن جريدة الراية
fmukaram@gmail.com
@fmukaram إكس
