اسيا العتروس*
في اجماع لم يسبق أن تحقق في المشهد الليبي المنقسم في كل شيء , تحول لقاء وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوض و ايلي كوهين وزير خارجية اسرائيل الى حدث جمع الليبيين بمختلف توجهاتهم بما جعل رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة يعجل بالتحول ليلا الى مقر سفارة فلسطين بطرابلس مع عدد من وزراءه معلنا اقالة وزيرته مشددا على دعم القضية الفلسطينية و حق الشعب الفلسطيني و رفض أي خطوة باتجاه التطبيع ..خطوة استحسنها الفلسطينيون جنبت الدبيبة الى حد ما الاحراجات و تداعيات هذا اللقاء الذي تكتمت عليه الاطراف الليبية و كشفته القنوات الاسرائيلية .. و سواء كان الدبيبة من اوعز لوزيرته بهذا اللقاء او سواء وقعت المنقوش في الفخ , فان ما حدث في ليبيا من احتجاجات و من غضب شعبي و تجمعات أمام مقر الحكومة و مقر التلفزة الليبية و غيرها من المنشات الرسمبة جعل اكثر من طرف في حالة استنفار .والاهم من رد فعل الدبيبة و مجلس النواب الليبي و بقية الاطراف الليبية التي وجدت فيما حدث فرصة للمطالبة لاسقاط حكومة الدبيبة فان الاهم ما صدر عن الادارة الامريكية التي انتقدت حليفها الاسرائيلي على تسريب خبر اللقاء و اعتبرت ان في ذلك ما يمس جهودها بشأن تعزيز التطبيع الاسؤرائيلي مع بقية الدول العربية التي لا تزال خارج المسار …
والواضح ان حادثة غزو السفارة الامريكية في بنغازي و مقتل السفير الامريكي و ثلاثة من مساعديه قبل نحو عشر سنوات بعد اشهر على سقوط نظام القذافي كانت حاضرة ايضا في اذهان المسؤولين الامريكيين و هم يستابعون تطورات الاحداث في ليبيا على وقع الاحتجاجات الغاضبة التي عمت شوارع العاصمة الليبية طرابلس و غيرها من المدن الليبية بعد ساعات على كشف خبر لقاء وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش بوزير الخارجية الاسرائيلي في العاصمة الايطالية روما
…وربما لم يتوقع الاسرائيليون الذين كانوا يمنون انفسهم بفرصة جديدة للتباهي و المفاخرة بانجازاتهم ومكاسبهم على مسار قطار التطبيع من ليبيا هذه المرة قبل ان يخيب الشارع الليبي امالهم و يخرج للتظاهر ضد هذه الخطوة التي اجمع على رفضها الليبيين بمختلف توجهاتهم و هم الذين قلما يجتمعون على امرو يعلنون رفضهم هذه الخطوة و يطالبون باقالة الوزيؤرة و محاسبتها …
إدارة بايدن لم تتأخر كثيرا ووجهت رسالة احتجاج شديدة للحكومة الإسرائيلية , و نقل موقع أكسيوس الأميركي، أن إدارة الرئيس بايدن انتقدت تسريب أنباء عن اللقاء الذي جمع بين وزير خارجيتها إيلي كوهين، ووزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش…
و حسب الموقع الأميركي فان الإدارة الأميركية تعمل منذ عامين على انضمام ليبيا لاتفاقات التطبيع، وهي بالتالي تعتبر أن نشر الأخبار عن الاجتماع يضر بهذه الجهود بشكل خطير، كما أنها تشعر بالقلق من تأثيرات الكشف عن الاجتماع على العلاقات مع الدول الأخرى التي ترغب بالتطبيع…مسؤول امريكي ذهب الى حد اعتبار أن ما حدث قتل قناة المحادثات مع ليبيا وجعل جهود امريكا لتعزيز التطبيع مع الدول الأخرى أكثر صعوبة بكثير من قبل..ما يرجح ان ادارة بايدن كانت على علم مسبق باللقاء و شجعت الليبيين على ذلك ..
النقطة الثانية في علاقة بلقاء ما سيسمى لقاء المنقوش كوهين ما اثاره تسريب الخبر من خلافات بين الموساد الاسرائيلي الرافض لكشف الخبر و بين الخارجية الاسرائيلية التي يبدو انها وراء تسريب الخبر رغم ان الوزير كوهين عاد و نفى ان يكون من يقف وراء تسريب الخبر ..
الاكيد أن ما حدث سيجعل المهرولون للتطبيع يفكرون اكثر من مرة قبل الانسياق وراء هذه اللقاءات التي تعكس عقلية سائدة لدى بعض العقليات بأن اسهل الطرق للوصول الى السلطة و ضمان استمرارها يمر عبر بوابة واشنطن والمعبر الاسرائيلي حتى وان كان الثمن تطبيع مجاني يمنح كيا الاحتلال الاسرائيلي كل الامتيازات ولا يضمن شيئا لا للفلسطينيين و لا حتى لانصار التطبيع ممن يرون في اسرائيل قوة استثنائية قادرة على منحهم الحلول و تطوير مختلف مجالات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والري التي يفشلون في تحقيقها في بلدانهم …وهي مسألة مثيرة للشكوك ليس لان اسرائيل لا تمتلك المهارات المطلوبة و لكن لان البحث عن الاصلاح والتطور والتنمية يمكن ان يتحقق لو توفر الحد الادنى من صدق النوايا والارادة و هذه بالتاكيد مسألة اخرى تحتاج وقفة خارج هذا الاطار .. وباعودة الى لقاء المنقوش و كوهين الذي أطاح بالوزيرة الليبية ضحية طموحات الدبيبة وحساباته علما و انها لم تكن بمفردها في ليبيا فقد كانت ضمن وفد …
وحسب بعض التسريبات فان الحكومة الايطالية المتنفذة في ليبيت ضغطت على الدبيبة لفتح ابواب التقارب من خلال استحضار مكانة و دور يهود ليبيا و اهمية اعادة التواصل معهم و ترميم المعبد اليهودي في طرابلس ..
خلاصة القول ان الشارع الليبي و احفاد المختار و ان بدا مسالما هادئا خانعا متقبلا لكل الازمات الخانقة من حوله فاجأ عرابو التطبيع و خرج عن صمته رافضا لهذا المسار ليسحب بذلك البساط امام جماعة بايدن و كوهين ممن اعتقدوا ربما ان التطبيع مع ليبيا سيكون الاسهل و الاسرع في ظل المناخ الراهن …و سيتعين على من يعدون العدة لمنتدى العقبة المؤجل اكثر من مرة القبول بهذه الصفعة و البحث ربما عن مسار مختلف لضمان انعقاد منتدى العقبة في اكتوبر القادم …ما حدث في ليبيا رسالة مضمونة الوصول على ان التطبيع الساكن في عقول الحكام ليس كذلك عندما يتعلق الامر بالشعوب المستضعفة التي لا تزال تصر على انه من حق الشعب الفلسطيني أن يعيش كغيره من شعوب العالم بعيدا عن البطش و الاجرام و القتل اليومي الذي يتعرض له و ان توسع و بقاء اسرائيل لا يمكن ان يكون على حساب غيره.. يحسب للشعب الليبي هذه الوقفة التي تفرمل الغزو الاسرائيلي للمنطقة العربية و المغاربية والاجمل انها توجه رسالة واضحة للعالم الحر أن هناك في ذلك العالم المتخلف الغارق في ضراعاته وازماته رأي عام تماما كما في الدول المتقدمة له موقف وصوت ورأي يجب الاستماع له واذا تم تجاهله مرة لا يمكن تجاهله على الدوام …
*كاتبة تونسية
