د. عبدالله الأشعل*
تزايدات حالات الاستيلاء على السلطة بالقوة فى أمريكا اللاتينية فى خمسينات القرن الماضي، فلما استقلت الدول الإفريقية استقلالا اسميا انتقلت ظاهرة الانقلابات العسكرية إلى إفريقيا حتى أن معظم الدول الإفريقية شهدت سلسلة من الانقلابات العسكرية. أما تعريف الانقلاب العسكرى فهو أنه استيلاء على الحكم بغير الطريق الدستورى أي أن الانقلاب. العسكرى يفترض أنه لابد أن يكون هناك دستور وحكم دستورى ينقلب عليه. أما وسائل تغيير نظام الحكم بطريقة غير دستورية فهى متعددة كشفت التجارب التاريخية عن معظمها حيث ثبت فى الدراسات الأكاديمية التى رصدت هذه الظاهرة أن الجيش استخدم فى تغيير الحكم الدستورى فى معظم الحالات (لتزيد على 70 في المائة من الحالات). كما تباينت الحالات منها ثمانى حالات فى إفريقيا قام بها المرتزقة وبالطبع كل الانقلابات رتبها الغرب فى عهد الاستقلال الوهمى ولم يحدث تمرد واحد خلال العهود الاستعمارية وكانت مثل هذه التمردات على المستعمر تسمى حركات التحرر الوطنى وتقرر لهذه الحركات فى القانون الدولى وضع قانونى بديل لسحب الشرعية عن صور الاستعمار. أما الوسائل الأخرى لتغيير الحكم فكانت بالاحتلال مثل الاحتلال السوفيتى لافغانستان عام 1979 والعراق عندما احتلته بريطانيا والولايات المتحدة 2003 والكويت عندما احتلتها العراق وفى حالات أخرى كانت قوات الأمن هى الأداة مثلما أقال بن على فى تونس الرئيسى بورقيبة، وكان بن على وزيرا للداخلية ثم انقلب على بوقيبة ثم فر عندما قامت الثورة التونسية إلى السعودية حيث توفي ودفن هناك وتقدم تونس حالة خاصة من الانقلابات حيث تولى الرئيس أستاذ القانون العام والدستورى السلطة فى انتخابات حرة دستورية وفاز بجدارة ولكن بعد أن تولى السلطة قام بانقلاب وانفرد بالسلطة وهى حالة خاصة جديدة لم تعرفها أدبيات الانقلابات العسكرية. أما تولى بوتين الحكم من الرئيس يلتسين فقد سمى الانقلاب داخل النظام أو انقلاب القصر. فالانقلاب تغيير النظام ولكن بغير الطريق الذى نص عليه الدستور سواء جاء الانقلاب على نظام قائم أو على الدستور نفسه. وعادة مايقوم الانقلاب بالغاء الدستور الذى انقلب عليه ويصدر دستورا جديدا وكل الانقلابات العسكرية التى تجاوز عددها تاريخيا مائة انقلاب بأنه جاء لانقاذ الوطن ويشكل مجلس لقيادة الثورة وفى الثقافة والتقاليد السياسية العربية خلا القاموس العربى من كلمة انقلاب فكلها ثورات وكأن العرب استشعروا إشراق الثورة على عكس الانقلاب وما ينطوى علىه من معان سلبية.
وللانقلاب العسكري مخاطر على الاستقرار السياسى وانتهاك للحق فى الحرية والديمقراطية، كما أن الانقلاب يعتبر جريمة فى القانون الدولى علما بأن الدول المتخلفة وأحدثها الجابون تعتبر الانقلاب عمل داخلى.
ولكى تضع إفريقيا حدا لهذه الظاهرة قررت القمة الإفريقية منذ عام 1964 في عهد منظمة الوحدة الإفريقية عدم الاعتراف بالنظم الانقلابية ثم جاء ميثاق الاتحاد الإفريقي ينص بصراحة وبقرار من قمة الجزائر عام 2000 بعدم الاعتراف بالنظام الذى يأتى يغير الطريق الدستورى وتجنب كلمة الانقلاب العسكرى. ومن ذلك الوقت وقعت أكثر من عشرة انقلابات. أما السبب فى الانقلابات العسكرية فى إفريقيا فهى أن الجيوش قبلية ولم تعرف إفريقيا فكرة الدولة بعد كالعالم العربى. والسبب الجوهرى للانقلابات العسكرية وغير العسكرية هو ارتباط المنصب بالسلطة والامتيازات ولذلك لابد من تحول هذه النظم إلى الديمقراطية وابعاد الجيش عن المجال العام.
والجديد أن النظم الانقلابية تتضامن ضد محاولات التدخل مما يعقد الحلول العسكرية كما أن قادة الانقلاب فى النيجر رفضوا التدخل الخارجى وأكدوا أن المسألة داخلية ولاشأن للخارج بها. وهذا اختبار لاستمرار أو رحيل الاتحاد الإفريقى. وزاد من تعقيد الموقف أن واشنطن رفضت أن تسمى الأشياء بأسمائها فلم تعتبره انقلابا عسكريا تلزم القوانين الأمريكية الادارة بسلوك معين وإنما اعتبرته واشنطن خلافا شخصيا بين الرئيس المخلوع ورئيس الحرس الجمهورى الذى قام بالانقلاب. أى أن واشنطن لم تحدد موقفها من التدخل العسكرى الإفريقى.
وأخيراً ظاهرة استيلاء الحرس الرئاسى على السلطة دون أن يكون الجيش له السيطرة عليه خطر كبير. تماما كتضامن النظم الانقلابية الإفريقية مع بعضها.
ولايغرب عن البال أننى حذرت من تلاشى الاتحاد الإفريقى بسبب عدم حزمه مع بعض الانقلابات تارة بسبب الفساد وتارة أخرى بسبب الضغوط الدولية كما أن الاتحاد الإفريقى غض الطرف عن انتهاك أثيوبيا للقانون الدولى للانهار الدولية وشجعها على تعنت موقفها تجاه مصر بالذات وكذلك السودان بخصوص سد النهضة.
ونظرا لاهمية موضوع الانقلابات العسكرية سوف تتشر مقالا اضافيا نستكمل فيه جوانب الموضوع.
*كاتب ودبلوماسي مصري
