عميرة أيسر*
يعيش الرئيس الأوكراني زلينسكي أسوء فترات حكمه على ما يبدو بعد أن تراجع مستوى الدعم المالي واللوجستي العسكري المقدم من طرف العديد من الدول الأوروبية خاصة بعد فشل هجومه المضاد في إيقاف تقدم القوات الروسية على الجبهة الشرقية التي على ما يبدو أصبحت في جزء كبير منها محتلة من قبل الجيش الروسي، فالرئيس الأوكراني قد خسر الكثير من قواته منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية مع عزوف الكثير من الشباب الأوكران عن التجنيد، ورفضهم الالتحاق بصفوف القوات الأوكرانية، وحتى المرتزقة الأجانب الذين استقدمتهم وزارة الدفاع الأوكرانية للقتال إلى جانبها، قد تخلى الكثير منهم على فكرة القتال في أوكرانيا، بعدما تعرض الكثير منهم للخداع من طرف القوات الأوكرانية، حيث أن هؤلاء قد صودرت جوازات سفرهم، وحرموا من تلقي رواتبهم، ناهيك عن فضائح الفساد المتكررة التي تورط فيها كبار القادة العسكريين، إذ قام هؤلاء بسرعة أموال المعونات الغربية ، وذلك بعد سلسلة من الفضائح التي هزت وزارة الدفاع الأوكرانية، ورغم عدم ورود اسم وزير الدفاع المقال اليكسي ريزنكوف عن أية شبهات تتعلق بالفساد، إلاّ أنه الخضات التي لحقت بوزارته لاتزال تلحق الضرر به، وهو ما أدى لإقالة نائبه يسلاف شابوفالف بعد توجيه اتهامات لوزارة الدفاع بتوقيع عقود لشراء مواد غذائية بأسعار أعلى مرتين أو ثلاث من الأسعار الحالية للمواد الغذائية الأساسية. مثلما ذكر موقع euronews بتاريخ 5سبتمبر/أيلول 2023م، في مقتل بعنوان ( لماذا أقال زلينسكي وزير دفاعه زلينكوف).
فقضايا الفساد المتكررة، وعدم قدرة الجيش الأوكراني على الصمود في وجه الروس بالرغم من الدعم المستمر من طرف الدول الغربية للمجهول الحربي الأوكراني، إضافة إلى الخسائر التي لحقت باقتصاديات هذه الدول وخاصة الأوروبية منها بسبب دعمها اللامحدود لكييف، وازدياد موجة السخط الشعبي ضدّها، وتأكد معظمها بأن الجيش الأوكراني أضعف من أن يقف في وجه الجيش الروسي الذي يفوقه عدة وعتاداً وكذا خبرة قتالية وميدانية، زد على ذلك استعمال الروس لأحدث منظومات الصواريخ الباليستية والطائرات الشبحية والصواريخ الحرارية الموجهة بالليزر، بالإضافة لتخوف هذه الدول الأوروبية من تحول الصراع في أوكرانيا لصراع عالمي، وهذا ما أشار إليه الرئيس البلغاري رومين راديف حيث قال: بأن امداد كييف بالأسلحة يعني إطفاء الحريق بالبنزين، وهذا يعني الاعتراف بأنه سيكون هناك المزيد من الضحايا، وأضاف أنه لا ينبغي لبلغاريا دعم الصراع في أوكرانيا، وأشار ذات المتحدث بأن المواجهة في أوكرانيا أصبحت أكثر عنفاً وتوسع نطاقها، الأمر الذي سيؤدي لكارثة اقتصادية ستؤثر على سكان أوروبا، بالإضافة لبولندا التي أعلنت بأنها لن تزود كييف بأي نوع من الأسلحة سواء الهجومية أو الدفاعية، وبأنها تعمل على تطوير استراتيجياتها الدفاعية، وتزود جيشها بأحدث أسلحة حلف الناتو، تحسباً لأي عزو روسي محتمل لأراضيها، مع سماحها لكييف بتصدير الحبوب عبر أراضيها، وهو نفس موقف كل من المجر وسلوفاكيا التي سمحت لكييف بيع حبوبها في أسواقها المحلية رغم المعارضة الشديدة لهذا القرار من طرف أحزاب المعارضة، وتكتلات الفلاحين لأن السّماح ببيع الحبوب الأوكرانية في أسواق سلوفاكيا سيتسبب بخسائر هائلة للفلاحين، وهذه الخطوة التي ستؤدي لإسقاط الحكومة الحالية، والاتيان بحكومة معارضة موالية لموسكو، فبولندا في حال قيام القوات الروسية باحتلال الجزء الشرقي من أوكرانيا حتى نهر دينبرو فإنها ستقوم باحتلال الجزء الغربي من البلاد، وإقامة منطقة أمنة في إجراء دفاعي استباقي، وبالتالي فإن هناك العديد من الدول في أوروبا باتت ترى في المساعدات المالية والعسكرية التي تمنحها لأوكرانيا، خاصة تلك المحاذية لأوكرانيا بمثابة اعلان حرب على روسيا التي لن تتوانى عن غزو هذه الدول ان استطاعت السيطرة على كافة الأراضي الأوكرانية لتأديبها، فالدعم الغربي المستمر لأوكرانيا لم يأتي بنتائج حاسمة في المعارك بل كانت له انعكاسات سلبية على هذه الدول، ولكن يبدو بأن هناك دولاً أوروبية وبإيعاز أمريكي كبريطانيا والسويد قررت دعم أوكرانيا عسكرياً، وتزويدها بأحدث الأسلحة المتطورة كمقاتلات f16 والسفن الحربية، حيث بث وزير الدفاع الأوكراني مشاهد عبر حسابه في التويتر معلقاً” لقد وصلت سي كينغ من المملكة المتحدة إلى مملكتها الجديدة بالقرب من البحر الأسود في أوكرانيا”، وهذا تعزيز للبحرية الأوكرانية. كما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 22جانفي/يناير 2023م، في مقال بعنوان (دولة أوروبية تطالب بوقف تسليح أوكرانيا وكييف تحتفي بعتاد جديد ).
ويبدو أن الغرب قد بات منقسماً بين مؤيد ومعارض لاستمرار تزويد أوكرانيا بمختلف أنواع الأسلحة، وبين معارض لهكذا قرارات ارتجالية، فهذا الانقسام الحاد واختلاف الرؤى ووجهات النظر وصل حتى مبنى الكونغرس الأمريكي حيث يرفض الجمهوريين المصادقة على تقديم مساعدات إضافية لأوكرانيا، بقيمة 27 مليار دولار، متسائلين عن جدوى تقديم هذه الأموال للجانب الأوكراني، وذلك بالرغم من علمهم بأن هذه المساعدات لن تسلم للجانب الأوكراني كسيولة نقدية بل ستذهب لشركات السلاح الأمريكية على شكل عقود لتوريد كميات هائلة من الأسلحة لأوكرانيا، وهذا يصب في النهاية في صالح الاقتصاد الأمريكي المتعثر، بالإضافة إلى أن هذه المساعدات المالية تعتبر بمثابة ديون أمريكية مستحقة السداد على أوكرانيا، وستأخذ مقابلها عقود استثمارية بعد انتهاء الحرب، وستكون الشركات الأمريكية المسؤول الأكبر عن إعادة إعمار المدن الأوكرانية المدمرة.
فالولايات المتحدة الأمريكية رغم الضغوط الكبيرة التي مارستها على كثير من هذه الدول من أجل استمرارها في دعم أوكرانيا وامدادها بالأسلحة، إلاّ أن هذه الدول كفرنسا قد امتنعت عن الاستجابة للضغوط الأمريكية المتزايدة، لأنها قد أدركت بأن هذه الحرب لا تعنيها، وبأن الدخول في صراع مفتوح مع موسكو ليس في مصلحتها، لأن الدب الروسي قد حرمها من أهم مواردها الطاقية، وهذا ما انعكس سلباً وبشكل كبير على دخلها القومي، وناتجها المحلي، فالكثير من الحكومات في الدول الغربية التي دعمت أوكرانيا في حربها ضدّ روسيا قد أخفقت سياسياً، وفقدت الكثير من مؤيديها جراء التذمر الشعبي من تخصيصها لميزانيات ضخمة لدعم أوكرانيا في تلك الحرب، على حساب تطوير اقتصاديات تلك الدول.
وبالتالي فإن أوكرانيا تعيش أصعب فترات الحرب، ويجب على زلينسكي إيجاد حل سياسي والجلوس لطاولة المفاوضات مع الروس، لأن هذه الحرب المستمرة منذ سنوات، قد استنفذت موارد البلاد، واعادتها قروناً للوراء، وتراجع الدعم الغربي لأدنى مستوياته، منذ بدء الاجتياح الروسي، وهذا مؤشر خطير على ما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل المنظور، خاصة وأن القوى العظمى أصبحت مهتمة بموضوعات أهم في جنوب شرق أسيا وأفريقيا، ولم تعد أوكرانيا ضمن أولوياتها كما كانت سابقاً، فأوكرانيا عليها اتخاذ زمام المبادرة،، وإيجاد حل للأزمة قبل فوات الأوان.
*كاتب جزائري
ورطة زيلنسكي!
