اليمن الحر الأخباري

الأهم من تصريحات ماكرون حول الهجرة!

اسيا العتروس*
لا خلاف أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون جانب الصواب و ذهب في تصريحاته بعيدا و هو يقول في حواره التلفزي أن “فرنسا لا يمكنها تحمل بؤس العالم “و الحقيقة ان ماكرون الذي اقتبس تصريح رئيس الوزراء الاسبق الاشتراكي ميشال روكار صاحب هذه المقولة الشهيرة قبل ان يستدركها و يتهم الاعلام ببترها واخراجها من سياقها ويسعى لاحقا للتنصل منها , لم يكن يرد على تصريحات البابا فرانسيس الذي اعتبر ان المهاجرين لا ياتون الى اوروبا غزاة بل ياتون بحثا عن الترحيب و هذه ليست المرة الاولى التي يتحدث فيها البابا عن الهجرة غير الشرعية و كذلك عن المهاجرين السوريين المشردين بل ان البابا كان الذريعة التي لجأ اليها ماكرون لمخاطبة دول المنشأ سواء منها دول جنوب المتوسط او الدول الافريقية التي يعتبرها ماكرون سبب البؤس الذي يرفض ان تتحمله بلاده مع ان الرئيس الفرنسي اكثر من يدرك أنه لا يمكن لاي بلد مهما كانت قدراته أن يتولى منفردا كبح جماح هذه الظاهرة التي كانت سببا في شق صفوف الاتحاد الاوروبي و التي ستكون السبب ايضا لتجاوز دول الاتحاد المهوسة بملف الهجرة غير الشرعيين لهذه الخلافات بين فرنسا و ايطاليا بين ايطاليا و المانيا … و هذا هو المهم في تصريحات ماكرون التي لا تخل من الاستفزاز و من الانانية المفرطة …
ونقصد بذلك تحرك مختلف العواصم الاوروبية بمجرد الاعلان عن وصول نحو سبعة الاف من المهاجرين غير الشرعيين الى جزيرة لامبادوزا الايطالية خلال ثلاثة ايام فقط و تحرك المفوضية الاوروبية على عجل تضامنا مع ايطاليا ..و يبدو ان ديبلوماسية الجنائز كانت حاضرة لدفع قادة اوروبا لتقريب المسافات و اعادة فتح الجسور لبحث هذا الملف خلال مراسم جنازة الرئيس الايطالي السابق جورجيو نابوليتانو الذي مهد اللقاء لاجتماع ماكرون برئيسة الوزراء الايطالية ميلوني بعد الجفاء الحاصل بين باريس و روما على خلفية تصريحات وزيرالداخلية الفرنسي دارمانيان حول هذا الملف …وقد اثمرت ديبلوماسية الجنائزاتفاقا اوروبيا بدعوى تضامن اوروبا مع دول المواجهة للهجرة غير الشرعية وفي مقدمتها ايطاليا واليونان وهذا كخطوة أولى لتتلوها خطوة ثانية تمثلت في لقاء مالطا امس الذي جمع تسع دول اوروبية متوسطية اولا للتضامن مع ايطاليا و ثانيا لبحث اتفاق في التعاطي مع ملف الهجرة غيرالشرعية وهنا مربط الفرس وأهمية مفهوم التضامن الاوروبي عندما يتعلق بخطر او تحد يمس احد الدول الاوروبية التي لا تتخلف عن الانتصار لبعضها البعض و تاجيل خلافاتها و توحيد بوصلتها و التعاطي مع ما يحدث من طوارئ بلغة رجل واحد و موقف واحد و خيار واحد على خلاف الدول العربية و المغاربية دون استثناء , و ليس ادل على ذلك من اتسياق تونس وراء اتفاق شراكة مع ايطاليا ثم مع الاتحاد الاوروبي بشكل منفرد و هو ما يضع بلادنا في موقف ضعيف و قابل للاستغلال و الابتزاز و المقايضة …و كم كنا نتمنى لو ان الديبلوماسية التونسية استعدت لهذا الاتفاق مع بقية الدول المغاربية المعنية بدورها بملف الهجرة غير الشرعية اوانها استعدت له ولم لا مع الاتحاد الافريقي كمنظمة اومع جامعة الدول العربية التي كان يمكن على ضعفها وهشاشتها ان تكون حاضرة في هذا الاتفاق …
ولاشك انه سيتعين انتظار اتفاقات اكثر اجحافا و اثقالا للكاهل من جانب الدول الاوروبية المستنفرة لدعم ايطاليا , و ليس سرا انم يلوني زعيمة اليمين المتطرف دخلت المعركة الانتخابية بوعود للقضاء على الظاهرة و هي تستعد في الصائفة القادمة 2024 لخوض معركة الانتخابات الاوروبية و تراهن على توحيد صفوف اليمين المتطرف في البرلما الاوروبي لكسب الرهان و هوما يعني أن ميلوني لن تكون معنية بتطبيق ما ورد في اتفاق الشراكة مع تونس اوالاتزام به عندما يتعلق الامربمصالحها ومصالح ايطاليا …و قد بدأ الحديث بعد لقاء العاصمة المالطية فاليتا عن اخضاع الاطفال من المهاجرين غير الشرعيين للفحص الطبي لتحديد اعمارهم في استخفاف بكل انتقادات المنظمات الانسانية الدولية و باتت ميلوني تلوح بمنع سفن الانقاذ من نقل المهاجرين غير الشرعيين الى البسيطة …
الاكيد ان لغة الارقام مفزعة و هي تكشف كل يوم عن ارتفاع لافواج المهاجرين غير النظاميين من مختلف الاجناس و الاجيال الذين يركبون البحر و يواجهون الموت من اجل العبور و الوصول الى الضفة الشمالية للمتوسم و هم على وعي بان حياتهم قد تنتهي في قاع البحر…وصف المتوسط بمقبرة الاطفال و الشباب حقيقة و ليس مبالغة …و كل المؤشرات تؤكد ان الارقام ستواصل الارتفاع و لن تتراجع و هذا ما يدركه الاوروبيون جيدا لان الاسباب التي تدفع هؤلاء الى المجازفة و الموت ستستمر و ستنتشر اكثر و اكثر و ستدفع الالاف بل الملايين الى خوض المغامرة …ولن تكون التحولات المناخية من جفاف او كوارث طبيعية ا فياضانات وحدها الدافع للهروب , فمسلسل الانقلابات العسكرية و الصراعات الدموية و حروب الاستنزاف و ما ينجر عنها من ظلم و فساد واستبداد و خطف للقمة العيش من الافواه الجائعة ليست سوى الوجه الاخر لماسي الهجرة و للبؤس الذي لا يريد الرئيس الفرنسي لبلاده أن تتحمله و هو بؤس يدرك ماكرون جيدا كغيره من القادة في اوروبا العجوز انه طالما لم تتغير العقليات الاستعمارية و لم تتخلى اوروبا عن سياستها الخارجية العنصرية و طالما لن تسعى لاعادة قراءة اهم محطات التاريخ و لم تدرك بعد ان العالم يتغير و ان الشعوب البائسة بدأت تتحرك و تستعيد وعيها و ثقتها في قدراتها امكانياتها لبناء حاضرها و مستقبلها فان اوروبا لن تكون محصنة أمام استمرار موسم الهجرة الى الشمال …وكما انه سيتعين على دول الجنوب ان تعيد تحديد اولوياتها وخياراتها و تعيد تصحيح مفهوم التضامن بينها سيتعين على دول الشمال تحمل جزء من مسؤوليتها ازاء تفاقم بؤس العالم …
*كاتبة تونسية

Exit mobile version