د. محيي الدين عميمور*
ربما كانت حرب أكتوبر المجيدة الفرصة الأخيرة التي أعطى التضامن العربي فيها نتائج باهرة تكاملت مع الأداء العسكري الرائع للقوات المقاتلة على الجبهتين المصرية والسورية، وكان من بين عناصر ذلك التضامن دخول البترول العربي إلى ساحة المعركة بكفاءة قل نظيرها وأصبحت ماضيا نتذكره بكل حسرة.
وكانت أهم صور التضامن المساهمة الفعالة للقوات المسلحة العربية، وبوجه خاص القوات الجزائرية على جبهة سيناء بجانب القوات المصرية والقوات المغربية بجانب القوات السورية وإلى جانبها القوات العراقية على أرض الجولان.
ولست ادري لماذا يراودني الشعور بأن الوطن العربي لا يعطي للذكرى أهميتها التاريخية، ومن هنا يبدو لي أن الاهتمام الرسمي خجول متردد، وأحسست، من الناحية الرسمية على الأقل، تعتيما كبيرا على تلك الأيام التي ارتفعت فيها رايات الانتصار العربية، وكأن هناك من يريدنا أن ننسى أيام العزة والرجولة، وتضيع نغمات “والله زمان يا سلاحي” تحت زمامير التطبيع..
ومن هنا أحسست، كجزائري، بأن واجبي يُحتم عليّ أن أستذكر بعض ما عرفته وعشته، آملا أن يشارك الأشقاء عبر الوطن العربي في استعراض ما عاشوه أو ما يعرفونه من صور التضامن العربي، استعدادا للحرب أو استعادة لأحداثها”، وأركز هنا على لمحات من المساهمات الجزائرية التي لا يعرف الوطن عنها الكثير.
كانت هزيمة يونيو 1967 ذكرى مريرة ظل كل مواطن عربي شريف ينتظر اليوم الذي تتمكن فيها الأمة من “عبور الهزيمة.، والتي أعدّ لها الرئيس جمال عبد الناصر متطلباتها الرئيسية، وخصوصا حسن اختيار القادة وإشعال حرب الاستنزاف وببناء حائط الصورايخ.
ويقول وزير الدفاع الجزائري الجنرال خالد نزار في مذكراته:
اتخذت “القيادة الجزائرية (بعد 1967) قرار الإبقاء على فرقة واحدة على مسرح العمليات المصرية، وعُيّنتْ فرقتي لأداء هذه المهمة، وكانت تتكون من ثلاثة فيالق كل منها يتشكل من 600 رجل، ومن فيلق يضم 31 دبابة من طراز “تي 55” ومن فوج مدفعية (بطاريتين ذات مدى بعيد عيار 122 ملم وبطارية قذائف 152 ملم) ومن فوج دفاع مضاد للطيران، وبطاريتين أنبوبيتين 35 ملم وبطارية 14.5 ملم فوق عربات رباعية، وكانت تضم أيضا خمسة كتائب نقل وإرسال واستطلاع للقيادة وللخدمات، وانضمت لنا في وقت لاحق كتيبة سادسة للهندسة.
وكانت القيادة قررت أن تكون إقامة كل فرقة لمدة سنة، ويبقى كل العتاد هناك، ويكون الاستخلاف بالنسبة للمقاتلين فقط.
وطوال تواجد الوحدات العسكرية الجزائرية في مصر (بين 1967-1971- 1973-1975) كانت المصاريف تتولاها الحكومة الجزائرية، وكان يتم تزويد الحساب الجاري المفتوح في بنك مصري من الجزائر”.
ثم يقول خالد أنه “بمجرد وصوله إلى مكان التموقع الجديد على الأرض المصرية اتخذتُ قرارا بحفر خنادق لأجنب رجالي عنصر المباغتة من طرف العدوّ، لكن المساعد السياسي للجيش الثاني العميد عبد المنعم خليل قال لي بأنه لا جدوى من هذا لأن العدوّ لن يُحارب من هذه الجهة على الإطلاق (..) ولكنني لم أستجب لرأيه، وكان هذا من حسن حظنا لأن الإسرائيليين استقبلوا وصولنا بقصف مكثف أصاب كل مواقعنا القديمة.
“فقد شن الصهاينة غارة جوية بحوالي عشرين طائرة مقاتلة بهدف تلقين اللواء الجزائري درسا (!!) ولم تتمكن قنابل أي طائرة إسرائيلية من إصابة أهدافها بسبب دقة تصويب الدفاع الجوي الجزائري، فجنودنا الذين كانوا ضمن جيش التحرير الوطني متمرسون في هذا النوع من المواجهة (..) إضافة إلى العمل الكبير الذي قام به عناصر اللواء، فقد قاموا بتهيئة الأرض (بحفر الخنادق) وهو ما جعل النجاح حليفنا، حيث فهم المصريون أهمية ما قمنا به، وحذوا حذونا باستعمال وسائل أكبر.
وبطبيعة الحال فإن الإسرائيليين حاولوا المبالغة في تقدير خسائرنا، وقالوا في إذاعتهم أن طائراتهم خلفت أكثر من مئة قتيل في صفوفنا، وأن قائد اللواء الجزائري (خالد نفسه) قتل خلال الهجوم، وزارني ملحقنا العسكري في اليوم التالي وأخبرني بأن الرئيس (هواري بو مدين) اتصل، قلقا، على الثانية صباحا (..) فقمت بطمأنته (..) كما اتصل بي قائد الجيش الثاني هاتفيا وسألني إن كانت هناك خسائر فأخبرته أنه لم يُصبْ أحد من رجالي، فصرخ مذهولا :….إزّاي؟”.
ويختتم اللواء خالد نزار كتابه بالإشارة، وللمرة الأولى، إلى الوسائل المادية التي قدمت لمصر، وكانت 95 طائرة حربية من أنواع متعددة، و190 دبابة، و150 عربة مدرعة، و80 مدفعية، و250 عربة رباعية الدفع، و40 شاحنة صهاريج نصف مقطورة، وذلك إضافة إلى المبالغ المالية التي أشار لها الفريق سعد الدين الشاذلي بنفسه في كتابه القيّم عن حرب أكتوبر (وكل هذا لم يُنشر عنه حرف واحد في الصحافة الجزائرية).
******
ويزور الفريق سعد الدين الشاذلي الجزائر ويقول في مذكراته:
– قابلت الرئيس هواري بومدين صباح يوم 7 فبراير1973 وأخبرته عن طبيعة مهمتي وعرضت له أفكاري بخصوص التعبئة العربية للمعركة، تطبيقا لشعار قومية المعركة.
أنصت الرئيس بومدين إلى ما كنت أقوله، وعبر عن حماسه للاشتراك بكل جندي وكل قطعة سلاح تستطيع الجزائر أن تقدمها للمعركة، وأضاف قائلا “إذا قامت الحرب فيجب أن تتأكد بأن الجزائر ستقوم بإرسال كل ما عندها لكي يقاتل الجزائريون جنبا إلى جنب مع إخوانهم المصريين” ولكنه لم يُخف شكوكه في وجود نوايا جدية لاستئناف القتال
قلت “سيادة الرئيس. إني أتفهم شكوكك، وفي مصر أيضا هناك الكثيرون ممن يعتقدون أنه لن تكون هناك حرب أخرى، وأن الكلام عن الحرب هو للاستهلاك المحلي.
ولكن عندما تقع الحرب فلن يكون هناك وقت لإرسال القوات الجزائرية إلى الجبهة، والاستفادة منها في المعركة.
وبالإضافة إلى ذلك فإنه لا يمكننا إدخال القوات الصديقة في الخطة الهجومية ما لم تكن هذه القوات الصديقة موجود فعلا في الجبهة.
لا يمكن أن ندخل ضمن خطتنا وحدات غيبية، قد لا تصل لأي سبب كان، فيترتب على ذلك ارتباكات كبيرة”.
ويواصل الشاذلي حديثه قائلا:
“أبدى الرئيس بومدين اقتناعه برأيي، ولكنه لفت نظري إلى المشكلات المعنوية والإدارية والاجتماعية التي تترتب على إرسال قوات جزائرية إلى مصر، إذا بقيت سنة أو أكثر في انتظار حرب قد تقوم وقد لا تقوم، وعلق قائلا: “نحن الجزائريين دماؤنا ساخنة، إذا كانت هناك حرب فإننا نقاتل، ورجالنا عندما نرسلهم للحرب يكونون ذوي معنويات عالية، وعلى أهبة الاستعداد لها، فإذا طالت المدة بدون أن يكون هناك حرب فإنهم سيثيرون المشكلات لكم ولنا، (…) إن هذه المشكلات كلها يمكن تلافيها إذا نحن أرسلنا الدعم العسكري الجزائري، بعد أن يتحدد ميعاد المعركة”.
“وكحل وسط اتفقنا على أن ترسل الإمدادات الجزائرية إلى الجبهة بناء على طلبنا، عندما يُتخذ قرار الحرب وبحد أقصاه 90 يوما من تاريخ طلب هذه القوات، ويتم طلب هذا الدعم إما من قبل الرئيس السادات شخصيا، أو من قبلي”.
ويعود القائد المصري ليقدم عرضا للرئيس المصري معتقدا بأنه سيكون سعيدا بالنتائج، ولكن السادات يبادره بالقول “ضحكوا عليك”.
ويكشف الأستاذ هيكل بعد ذلك ما سمعه من السادات فيروي عنه : ” الملك فيصل هو الوحيد الذي يتم إخطاره مقدما، بدون تحديد اليوم والساعة، أما معمر القذافي فلا إخطار مسبق، ويسمع من الإذاعات (كتاب : السلاح والسياسة ص 306).
ويُشير هيكل في موقع آخر من نفس الكتاب إلى لقاءات بين الرئيس السادات والسيد كمال أدهم، مدير المخابرات السعودية، موضحا علاقات السيد أدهم بالمخابرات المركزية الأمريكية. )وتاركا لنا الاستنتاج عن مدى معرفة المخابرات الأمريكية بتفاصيل الحرب القادمة).
ولم يكن بو مدين آنذاك على علم بما سمعه أو سوف يسمعه كل من الشاذلي وهيكل من السادات، ولكنه كان يتفهم عقلية الرئيس المصري، ربما من خلال متابعته الدقيقة لما يحدث في مصر عبر ما كان يُقدم له من تقارير، ومن خلال الحوار مع الإعلاميين الجزائريين والمصريين والأجانب، وكذلك مع الفريق الشاذلي نفسه، وكان اهتمامه الأكبر بالشعب المصري نفسه.
لكن كان هناك شيئا آخر أتصور أن بو مدين لم يكن يجهله آنذاك، سمعت به خلال زيارة برلمانية قمت بها إلى الشمال الفرنسي بعد ذلك بنحو ثلاثين سنة، فقد قال لي “بيير موروا”، أول رئيس وزراء في حكومة “فرانسوا متران”، إنه ذهب إلى إسرائيل في يوليو 1973 بصفته مبعوثا لأمين الحزب الاشتراكي الفرنسي فرانسوا متران، ليطرح على رئيسة الوزراء الإسرائيلية، وبطلب من الرئيس السادات، إمكانية تحقيق حل سلمي بين مصر وإسرائيل، ولكن “غولدا مائير” رفضت العرض، وأتذكر أن “موروا” قال عن “مائير” تعبيرا لا يُنسى، وهو أنها كانت مثالا للجمال القبيح أو للقبح الجميل (La belle laideur ).
وهذا قد يعني إما أن السادات كان يحاول تفادي الحرب، أو أنه يريد تأكيد سوء نية الإسرائيليين، أو هو يُمارس عملية خداع مقصودة.
لكن الواضح هو أن السادات كان يريد القيام بعمل يتحكم فيه وحده، وهو ما عبر عنه حوار أورده الفريق في مذكراته، عندما ردّ الرئيس على سؤاله عن مجالات التنسيق العربي، فقال: “ستكون المعركة مصرية أساسا، وسوف يقف العرب موقف المتفرج في البداية، ولكنهم سوف يجدون أنفسهم في موقف صعب أمام شعوبهم فيضطرون في النهاية إلى أن يُغيّروا من موقفهم”.
ومع ذلك، تعطي زيارة القائد العسكري المصري العظيم للجزائر ثمارها.
وما زال الحديث ذا شجون.
*كاتب ومفكر ووزير اعلام جزائري سابق
في العيد الذهبي لحرب أكتوبر!
