د. محمد أبو بكر*
إستراحة الجيوش العربية ها هي تستمر لأكثر من نصف قرن، لم تخض فيها هذه الجيوش أي معركة مع الصهاينة ، فالأوضاع بين الأنظمة العربية والكيان الصهيوني تسير بما يشتهيه نتنياهو وجماعته ، وقبله شارون وشامير وباراك وأولمرت وغيرهم من العصابة .
فغالبية جيوش العرب منشغلة بما هو أهمّ من القضية الفلسطينية ، التي وضعتها خلف ظهورها ، فيكفي هذه الجيوش التي تعدّ بالملايين ما قدمته في سبيل فلسطين خلال عشرات السنين ، فالحمد لله ، والذي لا يحمد على مكروه سواه ، كان لها الفضل بما نحن فيه ، وبما وصلت إليه الحال في فلسطين ، حيث لا ينقص الفلسطينيون سوى رؤية هذه الجيوش وهي في أفضل حالاتها لقمع أي احتجاجات ضد الأنظمة – لا سمح الله – فنحن نرغب ببقاء هذه الأنظمة ، وكما يقول المثل .. إللي بتعرفه أحسن من إللي ما بتعرفه !
يالسخريتنا ، ويا لهذه المهزلة التي نعيشها اليوم ، حتى المواقف العربية في مجملها كانت قمّة في الخجل ، حاولت التدقيق فيها جيدا ، لم أعثر على إدانة واحدة صريحة بحق ( الجرائم الإسرائيلية في غزة ) لا بل أن خمس دول عربية رفضت في اجتماع الجامعة العربية الأخير تحميل كيان الإحتلال وحده ما يجري في غزة .
يا إلهي عفوك .. بعض العرب يقفون في الخندق الصهيوني بوقاحة لم نعهدها ، ألم يسمع هؤلاء الموقف الكولومبي مما يجري في غزة ؟ كولومبيا التي تبعد عن غزة بأكثر من عشرة آلاف كيلومتر ، حيث قرر رئيسها المحترم غوستافو بيترو طرد السفير الصهيوني من بلاده ، ونحن لا نجرؤ على مجرّد التنديد الواضح بتلك الجرائم .
لماذا لا نشهد مواقف كالموقف الإيراني الواضح والصريح تجاه مايجري ؟ فوزير الخارجية حسين عبد اللهيان ، هذا الرجل الذي يستحق منّا كل تقدير يقول ؛ إذا لم تتوقف الحرب فإنّ زلزالا سيضرب إسرائيل ويغيّر خريطتها ، حتى لو كان مجرّد كلام فقط ، فنحن نرغب سماعه من حاكم عربي أو قائد جيش عربي أو أصغر مسؤول عربي .
ماذا تبقّى للشعب الفلسطيني من مدافعين عن حقوقه بعد استراحة الجيوش العربية وغيابها تماما عن ساحة الصراع ؟
الأمل اليوم معلّق فقط على حزب الله والمقاومة الفلسطينية ، هما وحدهما فقط من بقي من الشرفاء في هذه الأمّة ، فعليهما يمكن الإتّكال ، وأجزم بأن طريق التحرير نحو فلسطين سيكون من غزة وجنوب لبنان ، سواء اليوم أو غدا ، بعد أن انكشفت هشاشة الكيان المحتل ، هذا الكيان الكرتوني الذي ما كان له أن يستمرّ في طغيانه لولا دعم تلك الطغمة الحاكمة في بعض الدول العربية ، حيث أنظمة تنتظر مصيرها المحتوم قريبا وبعون الله وبفضل شعوبها الحية .
في وقت كتابة المقال كانت آلة الحرب الصهيونية المجرمة قد قصفت مستشفى الأهلي المعمداني وارتقاء أكثر من خمسمائة شهيد ، القلم يعجز من هول ما شاهدناه ، وكل ما أرغب بقوله .. دمّ شهداء غزة وفلسطين في رقابكم ياحكّام العرب .
وختام القول .. غزة ، أيها السادة ، لا تنزف أبدا ، ما ترونه عبر شاشات التلفزة هو تبرّع أهل غزة بالدم لهذه الأمّة المريضة ، لعلّها من خلال دماء شهداء غزة وفلسطين تصحو من الغيبوبة التي تعيشها منذ عقود .
*كاتب فلسطيني
غزة لا تنزف بل تتبرّع بالدم لأمّتها!
