اليمن الحر الأخباري

لكِ الله يا غزّة!

علي الزعتري*
استدارت السيدة العجوز بعد أن خطت نحو حريتها خطوتين و صافحت مقاتلاً فلسطينياً مرافقاً لها عزيزَ النفسِ ردَّ على مصافحتها بدفئٍ واضح. ثم نقلتنا الصورة لطائرةٍ عمودية صهيونية تُنزِلَها على سطح مستشفىً كما يبدو ذو مدخلٍ مضيئٍ ثم أظهرت لقاءً مع طبيبةٍ هادئةَ الوجه ذات ابتسامةٍ في بهوٍ نظيفٍ بالمستشفى لتطمئننا على صحة السيدة. هل كانت السيدة العجوز تعلم أنها اغتصبت حريةَ فلسطيني عندما استوطنت هذه الأرض و أنها بحريتها هذه تحكم على مئات الفلسطينيين بالموت؟ هل ستقولُ ما يبرئ ضميرها أم ستكذب؟
على بُعْدٍ قريبٍ انطفأت أنوار مشافي غزة واحداً تلوَ الثاني و انفتحت المقابر الجماعية للآلاف، أما الجرحى والمكلومين و اليتامى و الثكالى فلهم الساحات و الممرات و الخيام و الركام و الأسى الذي لا يُنتسىٰ. و السؤال الذي يُلِّحُ طلباً للإجابة هو عن الحَدِّ الذي يجب أن يصلهُ الدم الفلسطيني قبل أن يتحرك العرب و المسلمون لنجدة غزة بالاشتراك بمعركةٍ حاسمةٍ ضد الصهيونية، أو لأن يتوقف سيل الدم الفلسطيني فينتهي عذابهم الجسدي. أما عذاباتهم النفسية فلا نهاية لها إلا بالموت. و لا من مجيب للسؤال.
السيد باراك أوباما قال إن لإسرائيل حق الدفاع عن نفسها لكن لا “تزودها”، ليس خوفاً على الفلسطينيين بل خوفاً على مكانة “إسرائيل” الديموقراطية في العالم الذي يحترم حقوق الإنسان. و هكذا قال كل زعماء و وضعاء الغرب من أمثالِ ماكرون و سوناك و أورسولا و بايدن الذين كلهم أَصَّروا على حق “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها و شرط إخلاء سبيل الأسرى قبل التحدثِ عن وقف القتال، الذي كما نعلم لن يتوقف كما قال النتن و زمرتهِ إلا باستسلام المقاومة. بل أن وزير الخارجية الصيني قال ذاتَ الكلام عن حق الدفاع لكن مع احترام حقوق الإنسان. لا يقلقون على سيلِ الدم الفلسطيني بل على جيش “الدفاع” و سمعة الصهيونية و بضعة عشراتٍ من المستوطنين الذين يذوقون اليوم خوف الغزيين من الغارات. لا أحد يتكلم عن آلاف الأسرى الفلسطينيين المرميين في السجون الصهيونية و لا الذين تقتلهم الصهيونية اغتيالاً. هم ليسوا بشراً بل حيوانات كما تقول الصهيونية. السيد بوريل قال قبل فترة أن أوروبا جنةٌ حولها حيوانات مفترسة. و الصهيونية التي يدعمها تطبق فلسفة نظريته البغيضة. إصطياد الفلسطيني هوايةٌ غربيةٌ صهيونيةٌ بحتة في أدغالِ هذه الدنيا.
و سكتَ أمين عام الأمم المتحدة عن الكلام. و سكت رؤساء المنظمات الدولية عن إصدار البيانات المشتركة التي رأيناها لسوريا و أوكرانيا. و خرست أصوات المنظمات غير الحكومية الدولية التي كانت تخطُّ الرسائل الموقعة جماعياً استهجاناً كلما تعرقلت أمور قوافل العون في سوريا. قُلِعت الألسن من الأفواه. و خاف الموثقون و كتبة القصص التواصلية لأنَّ نَصْلَ زوكينبيرغ مرفوعٌ فوق الرؤوسِ و الأقلام يقطعُ كل ما لا يُرضيِ هويتهُ و دمهُ.
في الأثناء أعلانٌ عن “مونديال” للألعاب الإلكترونية ببلاد العرب العام القادم! و بلادٌ تُضرب مطاراتها أسبوعياً لن تَنْجَّرَ للاستفزازات! طارَ وزراءُ لنيويورك في مهام رسمية لعقدِ مباحثاتٍ بمجلسٍ و أمانةٍ تسيطر عليهما الصهيونية و تهينهما كلما أرادت. رؤساء الأركان ووزراء الدفاع العرب لا يهمسون. و كيف، و ماذا يقولون؟ ما قيمةَ المناورات التي يشتركون فيها ما داموا غير قادرين على إطلاق رصاصة دون معرفة وربما إذن “جيرالد فورد” و “آيزنهاور”؟ و كيف سيخططون إن أرادوا تحركاً و هم قيدَ دوراتٍ و تنظيمٍ عسكري يدين للغرب؟ و ما هو الصمت المرعب الذي نسمع عنه من محور مقاومة و ما هي قيمته؟ ما قيمةَ أن نبتهج أن تضطرب الصهيونية قليلاً و هي بنفسِ الوقت تحصد الأرواح التي لا منقذ لها؟ لا نعلم إن كنا نحن الشعوب هي التي تفهم أنه إن لم تكن لنا قوة في نصرِ فلسطين من غزة فلن يكون؟ أم أننا أغبياء وأن مونديال اللعب و نقاشات نيويورك و رمي الاستفزازات و طناش العسكر هو الصحيح؟
من لها غزة؟ بل من لها فلسطين؟ من لهم المشردين والجرحى واليتامى؟ من ينتصر لهم يا حماة الديار؟ أجيبونا؟ هل سيكفيهم الغذاء و الدواء؟ ماذا عن معالجةِ جروح النفس و هلع الليالي و ذكريات الدم و فقدان العزيز؟ هل سترسل لهم الأمم المتحدة أم أنتم معالجين نفسيين و استشاريي مآسي حروب؟ من سيعوضهم عن الفقد في البيت و المدرسة و الزميل و الرفيقة و كاتم أسرار الطفولة و حنو الأم التي اندفنت و دفئ الأب الذي انحرق بالسلاح الصهيوني الأمريكي الذي تشتروه و تُخَزِّنوهُ لمن و لمتى لا نعلم؟ سيقولون أن المسؤول هو حماس و المقاومة التي بدأت الحرب. و هل كان الغزِّيون في جنة الفردوس طوال السنوات الماضية؟ وهل تعيش باقي فلسطين نعيماً مع قطعان المستوطنين و إرهاب الجيش؟
إن الغضب الذي أفاض به هذا الطوفان لا يهدأ و ما أغبى من يظنه سينتهي. لقد فارَ التنُّور به و لن يستوي المركب إلا على جودِّي الانتصار و إن طالَ الزمان الذي قد لا نعيشه.
*كاتب اردني ودبلوماسي أُممي سابق

Exit mobile version