اليمن الحر الأخباري

غزة..إبادة جماعية وعجز دولي!

د. مهند النسور*
لم تكن الاوضاع المعيشية والصحية في قطاع غزة بخير طيلة الأعوام السابقة، وتشهد غزة أوضاعاً إنسانية منذ 75 عاماً ولكنها أخذت بالتدهور الشديد بعد اندلاع الحرب من جديد يوم 7 تشرين أول/ أكتوبر 2023. وقد كانت غزة تحت الحصار لأكثر من 15 عاماً حيث يعتبر قطاع غزة من أكثر الأماكن اكتظاظاً بالسكان في العالم ويعيش فيه أكثر من مليوني شخص؛ بينهم ما يقرب من 50٪ تحت سن 18.
وعلى مدى أربعة أسابيع الماضية، تعرض اكثر من عشرة الاف شخص للقتل والابادة، منهم ما يقارب السبعون بالمائة من الأطفال والنساء. بالإضافة إلى جرح آلاف آخرون ناهيك عن الحرمان من حقوقهم الإنسانية الأساسية، وهذا يشمل الأطفال والنساء وذوي الإعاقة وكبار السن. وقد نزح ما يقرب من مليون ونصف شخص رغم عدم توفر مأوى بديل. كما كانت عمليات الإجلاء مهددة للحياة ومعقدة للغاية من الناحية اللوجستية بالنسبة للعديد من الأشخاص بمن فيهم المقيمون في المستشفيات باعتبارهم يعتمدون على أجهزة دعم الحياة أو يحتاجون إلى الرعاية الحثيثة.
لقد أجبرت الهجمات المستمرة مئات الآلاف على ترك أماكن إقامتهم والعيش في ملاجئ مكتظة وغير مجهزة مثل المدارس والمساجد والكنائس في ظل الوصول المحدود إلى المياه والغذاء وخدمات النظافة والخدمات الصحية. كما تم إغلاق المعابر الحدودية ومنع أي أحد أو أي شيء من الدخول بما في ذلك الغذاء والماء والوقود والإمدادات الطبية والمساعدات الإنسانية تحت ذرائع مختلفة. وفي واقع الحال، لا يستطيع الناس الوصول إلى الإمدادات الغذائية الأساسية ويقومون بتقنين تناول الغذاء المتاح إلى وجبة واحدة فقط في اليوم بل يعتاشون على قطعتي خبز للفرد الواحد حسب مصدر أممي.
وقد تضررت البنية التحتية بشدة في غزة، بما في ذلك شبكات المياه والصرف الصحي، حيث بلغت مستويات الطاقة الإنتاجية للمياه 5٪ من المستويات العادية. وانخفض إجمالي استهلاك المياه واستخدامها إلى ثلاثة لترات للشخص الواحد في اليوم بنسبة 15 لتر كحد أدنى للانسان الطبيعي مما يزيد من خطر الإصابة بالجفاف والأمراض المختلفة. وفي حين يسعى البعض للحصول على المياه من محطات التحلية والتنقية الخاصة وغير المنظمة، يبحث آخرون عن مياه الشرب إما من الآبار القريبة من البحر أو يشربون المياه الملوثة بمياه الصرف الصحي. وقد تعطلت حالياً محطة معالجة مياه الصرف الصحي وخاصة في شمال غزة. وعلاوة على ذلك، فإن النظافة الصحية تواجه ظروفا محزنة، حيث يشترك مئات الأشخاص في دورة مياه واحدة، علاوة على النقص في أكياس الجثث.
هنالك هجمة همجية منظمة على المستشفيات وسيارات الإسعاف بحيث بات أكثر من ستة عشر مستشفى خارج الخدمة، بينما تعمل باقي المستشفيات الحكومية تقريباً بشكل جزئي وتعالج عددا كبيراً من المرضى بما يتجاوز طاقتها الاستيعابية. وستنفد خلال أيام الكميات القليلة المتوفرة من الوقود للمرافق الصحية. وقد استخدمت تقريباً الإمدادات التي كانت مخزنة مسبقاً في غزة. ولم يتبق سوى إمدادات محدودة للغاية في بنوك الدم، في حين نفدت بالفعل الأدوية مثل أدوية القلب المنقذة للحياة والمسكنات والأنسولين، حيث خرجت ما يقارب سبعون بالمائة من مراكز الرعاية الصحية الأساسية من الخدمة العامة. وكلك تم قصف المستشفى المتخصص و المسؤول عن علاج مرضى السرطانات المختلفة. كما تم إيقاف معظم خدمات الرعاية الصحية مثل غسيل الكلى، ولا تتوفر خدمات صحة الأم والطفل حيث اصبحت هذه الحرب المسعورة تضع السيدات الحوامل بين خيارين لا ثالث لهما: إما الولادة المبكرة او الإجهاض. أما ما يخص الاطفال ومعاناتهم، فقد حولت هذه الحرب غزة الى مقبرة أطفال بحيث يقتل طفل واحد كل عشر دقائق.
كانت هناك العديد من التحذيرات الدولية وآخرها اليوم من قبل منظمات الأمم المتحدة بشأن استمرار العنف والأعمال العدائية المروعة، قبل أن تتحول الأوضاع إلى ما يتوقع أن يكون كارثة أكبر تنشأ في واحدة من أكثر الأماكن اكتظاظا بالسكان في العالم. وكذلك أدانت التصريحات الاعتداءات والقتل الممنهج الذي تتعرض له الفرق الصحية والمسعفين والصحفيين أيضا.
وعلى الرغم من أن هناك مساعدات قد بدأت تصل وتشمل الماء والغذاء والأدوية وأكياس الجثث، إلا أنها كانت غير كافية إلى حد كبير وتم استثناء الوقود والطاقة من هذه المعونات والإمدادات والتي تعتبر مصدرا أساسيا لضمان توفير خدمات رعاية صحية فعالة والعمليات الإنسانية الفورية للوصول إلى من هم في أمس الحاجة إليها.
ومع استمرار تناقص توافر الغذاء المأمون والمياه النظيفة والأنظمة التي تعمل على الكهرباء وخدمات الرعاية الصحية، إلى جانب عدم كفاية المأوى والاكتظاظ، سيواجه الناس ارتفاعاً في التعرض للأمراض، وتفاقم الظروف القائمة، وفي نهاية المطاف زيادة معدلات المراضة والوفيات. أضف إلى هذا الصدمات المستمرة التي تطغى بدورها على النظام الصحي الهش بالفعل، وتزيد من خطر تفشي الأمراض السارية مثل جدري الماء والجرب، والأمراض المنقولة عن طريق المياه مثل الكوليرا والأمراض السارية الأخرى مثل الأنفلونزا و التهابات المعوية والأمراض الجديدة غير المعروفة.
وقد أدت الأعمال العدائية المستمرة إلى أزمة إنسانية ضاعفت من تفاقم معاناة المدنيين والسكان الضعفاء. واستجابة لهذا الوضع المتردي، من الأهمية بمكان أن نعترف بالتزامنا الأخلاقي تجاه إنسانيتنا وأن نتخذ إجراءات ملموسة، ونعود الى ضرورة احترام أرواح المدنيين في قطاع غزة، وهذا ما يكتسب أهمية قصوى، فكل فرد، بغض النظر عن ظروفه، يستحق الحماية والاحترام، وكذلك احترام الحق في الصحة دون مساومة. إن الحصول على الرعاية الصحية حق أساسي من حقوق الإنسان، وينبغي ضمانه للجميع، لا سيما في مناطق النزاع. ويعتبر توفير إمكانية الوصول المستدام والواسع النطاق إلى المساعدات الإنسانية والخدمات الصحية أمرا بالغ الأهمية. وينبغي عدم إعاقة الوصول إلى هذه الخدمات، ويجب أن تصل إلى من هم في أمس الحاجة إليها. وكذلك إرسال وضمان وصول المتطوعين وفرق الطوارئ الطبية والمهنيين الصحيين من جميع التخصصات لمساعدة السكان المتضررين، مما يمثل خطوة حاسمة في توفير الرعاية الفورية والمتخصصة.
أمام هذه الأعداد المهولة من الشهداء والجرحى من الشيوخ والأطفال والسيدات والمسالمين والعزل، وأمام هذه المجازر التي لم تراعي أي ذمة أو عهد، وترتكب بحق اي جهة ترغب بتقديم ومد يد العون لهم، وأمام هذا الصمت الدولي الذي يندى له الجبين، فنقف حداداً على روح اتفاقيات جنيف بنصوصها وتعديلاتها، وكذلك نؤبن المواثيق والقوانين الدولية، بما فيها القانون الدولي الإنساني الذي فشل فشلاً ذريعاً في إيقاف هذه الابادة الأنسانية الجماعية أو الحد منها. ونتوجه إلى كل العالم الحر للوقوف بوجه هذا العدوان الوحشي وتوثيق هذه الجريمة والإبادة الإنسانية بحق شعب لم يرد يوما إلا العيش بعزة وكرامة.
*كاتب وباحث أردني في شؤون الصحة العامة

Exit mobile version