د.احمد صالح البطاينه*
نعم التاريخ يُعيد نفسه فها هي الولايات المتحدة، تُضيف إلى مسلسل تاريخها الأسود، الذي شهده ويشهده العالم على مرالزمن، ومنذ أن أبادوا الهنود الحمر إلى عصرنا الراهن، حلقة جديدة متجددة من الإبادات الجماعية على مرآى ومسمع العالم أجمع، مع ربيبتها اسرائيل وبالتضامن معها سياسياً وإعلامياً وعسكرياً براً وبحراً وجواً، وبتأييد حكومات الغرب المتحالفة معهم، بحربهم الإرهابية القذرة على غزة، وها هو وزير التراث الصهيوني المزيف والبشع، يُطالب وبكل صلافة ووقاحة بضرب غزة بقنبلة نووية، وهو ما يحصل أصلاً في القطاع، الذي يُواجه حرب إبادة جماعية وحشية بالتجزئة، بارتكاب المجازر المستمرة باطنان القنابل، التي ألقيت وتُلقى على غزة على مدار الساعة التي تُعادل قنابل وليس قنبلة نووية.
هذه الولايات المتحدة أضاعت فرصة تاريخية أتُيحت لها ردحاً من الزمن وفات أوان استمرارها، حين انتهى الاتحاد السوفياتي، وأصبحت القطب العالمي الأوحد بدون منازع، وأزالت عن كاهلها أعباء الحرب الباردة التي وضعت أوزارها، في أن تُصبح قوة خير عظمى في عالمنا المعاصر، ووسيطاً عادلاً لحل أهم قضايا العصر، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وفق ما تقتضيه الشرعية الدولية، لكنها آثرت وبدل من عقلنة مُغتصبي حقوق الشعب الفلسطيني، وحمايته من نفسه ومن أطماعه التوسعية في المنطقة، تكريس وترسيخ الظلم التاريخي الذي حل بالشعب الفلسطيني، وبحياكة مؤامرات لا تنقطع لتصفية قضيته، بما يتناقض مع كل قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالقضية الفلسطسنية، وأبسط الأسس وأبجديات تحقيق السلام العادل والدائم.
وإذا كانت الولايات المتحدة وقنابلها النووية التي ألقتها على هروشيما ونجازاكي قد أدت إلى استسلام اليابان، فإن ما يغيب عن ذهنها وذهن عصابتها، ان تكرار ذلك في حربهم على غزة، لن يحقق لهم استسلام المقاومة الفلسطينية على امتداد الأرض المحتلة، لسبب واضح وفارق استراتيجي هو ما شهده التاريخ من حقيقة بأن الشعوب التي تُقاوم على أرضها وأوطانها للخلاص من مُحتليها وغاصبي حقوقها، كما هو حال الشعب الفلسطيني مع مُحتليه ستنتصر، لأنها تؤمن بمقاومتها كعقيدة طريقاً للخلاص لتحرير نفسها وتقرير مصيرها وتحقيق استقلالها مهما كانت التضحيات، وها هي المقاومة الفلسطينية على امتداد الأرض المحتلة وحماس وغزة، وبالرغم من الحصار الخانق على مدار ستة عشرعاماً، تؤكد مجدداً هذه الحقيقة، بأنها أصبحت أكثر بأساً وقوة في مواجهة مُحتلي أرضها، وأسقطت كل محاولات الالتفاف على الشعب الفلسطيني والقفز عنه، وتهميش قضيته التي مهدوا لها تارة بمحاولات خلق عدو جديد للمنطقة بدل ربيبتها اسرائيل، وتارة أخرى بجر بعض الدول العربية للتطبيع معها وتجنيدها لحساب ما يُسمى بصفقة القرن والسلام الإبراهيمي، فجاءت ملحمة طوفان الأقصى لتنسف من الجذور كل هذه المحاولات البائسة، ولتُثبت أنه لم يعد بالإمكان تهميش القضية الفلسطينية عربياً وإقليمياً ودولياً، ولن تُصبح أبداً من الأيتام على مائدة اللئام.
*باحث وإعلامي أردني
غزة وهروشيما ونجازاكي!
