خالد شحـام*
هل حصلنا أخيرا على دقائق لتوقف الاستئصال العرقي الأكبر؟ هل تعبت عيون المتفرجين من فرط الدم والقتل ويريدون استراحة لتناول الفوشار وبعض العصائر قبل متابعة فيلم (رونج تيرن) بنسخته الاسرائيلية؟ هل سيركض أطفال غزة أخيرا في حي ذي مسبغة بلا خوف من قذيفة أو مجزرة ؟ فلتهنئوا ولتتنفسوا الصعداء في المشئمة، لم يعد للغفران من طريق وأما رُسُلُ العذاب فقد أقلعت دون مسألة!
مساء الأمس أنارت سماء فلسطين بأجنحة طائر الفينيق الفلسطيني المحرر، سهرت فلسطين عن بكرة أبيها وربما معها نصف العالم لتشهد ارتقاء الطائرالأسطوري وهو يتحرر من سجون الرماد، لم تفلح إجراءات بن زفير المجرم في سرقة الفرحة، الأسيرات الجميلات، الدموع و الأمهات والآباء مشهد تقشعر له الأبدان، لم يكن من شيء ليدفع غزة الجريحة للتبسم إلا ابتسامة مرح وأماني وملك وسائر المحررين، لقد أوفت المقاومة بوعدها وحققت مشروعها الوطني الذي وُجِدت لأجله وهذا هو الشوط الأول من المعركة .
بعيد ساعات يطل علينا الرئيس جو بايدن عبر الشاشة في خبر من فئة الشريط الأحمر ليعلن بأن صفقة تبادل الأسرى نجحت ويمنح تأكيده باستمرار الجريمة، للحقيقة أنني دهشت من ظهور الحَبْرِ الأعظم لإعلان هكذا خبر ! هل تحول السيد الرئيس إلى الناطق الرسمي بإسم (نتانياهو ) ام أنه هو الأصل أم ماذا يحدث بالضبط ؟ هل من المعقول أن رئيس أقوى وأعتى دولة في العالم يخرج في مؤتمر صحافي عاجل ليبث خبر تبادل الأسرى مع ( جماعة إرهابية ) محاصرة تتعرض للقصف ليلا ونهارا في مساحة لا تتعدى مساحة متنزه في بلده ؟ هل من المعقول أن هذه الدولة الكبرى وضعت رأسها في هؤلاء الذين لا يكادون يُرَون إلا بعدسة مكبرة حسب مقياس الطغيان والجبروت الأمريكي -الصهيوني ؟
الجواب هو نعم سادتي ! هؤلاء الذي لا يُرَون إلا بعدسة مكبرة وفقا لمقياس الجبروت الأمريكي هم الذين فرضوا شروط اللعبة إلى الحد الذي دفع برئيس أكبر دولة ليخرج إلى الملأ ويعلن هذا الإنجاز (الكبير) لأنه وصل إلى نقطة من الحرج والإحاطة والتسول السياسي جعلته يتعلق بأي إنجاز وبأية نتائج، لماذا ؟ لأن هذا هو زمان الاقزام وأشباه القادة واشباه القوانين وأشـباه الدول، هؤلاء سادتي الذين يتعرضون للموت بأعتى صوره وأدواته منذ أكثر من شهر ونصف لا يزالون يخرجون في الليل لقصف تل أبيب بلا توقف وبلا أي تراجع، هؤلاء الذين خفنا عليهم كل يوم أن يضعفوا أو تغتالهم أطراف المؤامرة يفاجئوننا كل مرة بأنهم ما زادوا إلا صلابة وثباتا وقوة، هؤلاء سادتي من فسخوا المارينز والصهيوني إلى نصفين ومَرَّغوا بكرامتهم أرض غزة وجلبوا الفرحة إلى كل فلسطين وشعوب العالم الشريفة، هؤلاء من أخذوا بثأر العراق واليمن وسوريا وكل مسيرة الخذلان والهوان العربي وتسببوا باضطراب القلب لدى عصابة الكابينت.
في الزاوية الخلفية لكل هذا المشهد البالغ الفوضى ثمة حقائق وثوابت تتوالد وتتكاثر بإلحاح كلما حاولوا طمسها، خلال الأيام القليلة الماضية استمر العدو في إجرامه وقبحه إلى الحد الذي لم يعد فيه تفسير كل ذلك قائما على فشله في تحقيق أهدافه كما كان يُقال في الشوط الأول من الاجتياح، لقد دخل هذا العدو ومعه حلف الأحزاب في مرحلة جديدة من المعركة وفقا للتسلسل التراتبي لسلوك الطغاة تسمى في فلسفة المعارك مرحلة العَمى والهَسترة، هذه المرحلة الحرجة يتم الوصول إليها عادةً عندما تعتقد أولا بأنك آلهة فتضرب بأقوى مما لديك من أدوات ومعدات للفتك والتدمير والانتقام ثم تأتيك النتائج بالعكس تماما فتبدأ بالهذيان وضرب أسداس في أخماس والجهاد في حماس، في هذه النقطة الموضعية تخضع كل الخيارات للتشكك وتتصادم الأدوات وتهتز ثقة العدو بنفسه ويتضرر العصب البصري ويصاب بمتلازمة الهسترة وتصبح طائراته ودباباته وجيوشه وإعلامه وحتى تصريحاته عمياء مثله.
في حقيقة الأمر إن ضربة 7 أكتوبر قد سببت العمى والهسترة منذ لحظاتها الأولى وأدلتنا على ذلك لا تحتاج دليلا ! لكن الأدلة على وجود العمى تتمثل في وضع غايات عمياء على النحو الآتي : إزالة حركة حماس من الوجود وتحرير الأسرى – تهجير قطاع غزة لتحييد أي مستقبل تهديدي – تدمير البنية العسكرية والهندسية والعلمية للمقاومة – رتق الهيبة ومعطف التخويف الذي تمزق – الحصول على فرمان بالقتل وتسويق الأكاذيب والبكائية التقليدية على الحلفاء التقليديين والعالم بأجمعه – العربدة على المنطقة لجلب المزيد من المكتسبات، كما تلاحظون فالدنيا تغيرت ولم يعد من الممكن طرح هكذا تصورات إلا لجهة مصابة بفقدان الرؤية في معطيات عالمية جديدة، واختصارا سأختار الحديث ضمن بعض النقاط ذات العلاقة بعجالة :
-في الواقع سادتي فإن الجهات التي أصيبت بالعمى هي نفسها التي تحاول اجتياح غزة وهي : الولايات المتحدة – دويلة الكيان – حزمة الحكم العربي التي راهنت على إسقاط المقاومة، إن سبب العمى هو توجيه اللطمة الأولى للامبراطورية الأمريكية التي لم يتمكن أحد طيلة القرن الماضي من مَسِّها بهذا القدر والسرعة والطريقة، امبراطورية الاجرام والظلم والرذيلة والتغول التي عاشت يومها الطويل دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منها، إن نهاية الامبراطورية الظالمة تبدأ بجرح صغير في الوجه مع بدء تضرر العصب البصري اللازم لفهم واستشراف المستقبل وليس الحاضر فقط.
-لقد أيقظت المقاومة الفلسطينية بصر وبصيرة الشعوب العالمية بوجود انتكاسة هائلة في مدعيات حقوق وقيمة الانسان التي بنيت عليها كل الأنظمة الغربية وتُعاير بها بقية دول العالم، لقد بُني العالم الجديد عقب الحرب العالمية الثانية على حزمة قيم من العدالة والحريات واليوم تحولت هذه الى أنماط رأسمالية ابتلاعية لأنسان العصروافتراسه، عالمنا الجديد الذي نعيشه مصاب بالعمى الكامل لأن الولايات المتحدة فقط هي من يحكمه بالدم والدولار وكل الباقي مجرد تفاصيل، لقد أعادت المقاومة الفلسطينية فرك عيون العالم على هذه الحقائق المريعة، وهنالك سؤال عالمي قريب سوف يطفو إلى السطح بقوة : من الذي يحكمنا ؟ وما هو مصيرنا بين أيديهم ؟ وقد بدأت أسبانيا وبلجيكا للتو بذلك.
– العمى الاسرائيلي تحول إلى أداة إبصار للعالم ليرى ويشاهد ثلاثة نماذج فريدة ضائعة من الإنسانية المؤثرة بعيدا عن زيف ووهم الميديا، الأول هو المدني الفلسطيني في غزة الذي أظهر معاملات عالية من التعاضد والصبر والحب وألهم الإنسانية وسط الحرمان وظلال الموت والدمار وفقدانه لصغاره، والثاني هو المقاتل الفلسطيني، إنسان مقاتل شريف يمثل اعلى درجات الخلق والصدق والانسانية والوفاء والبطولة، الثالث هو الأسير الفلسطيني الصامد والمعتقل لأكبر اشكال الظلم، العالم يصحو من نومه على المال والجنس والرفاه الزائف على صوت جديد للصحوة الفطرية السليمة التي صنعتها المقاومة الفلسطينية، بنفس المعية أبصر العالم (المواطن الاسرائيلي) المتغطرس ممثلا بالجندي والمستوطن والمسؤول الحكومي ليرى وحشية هذا الذي سقط اخلاقيا وحضاريا واستغل كل ادواته ووسائطه دون جدوى .
– ان رامبو الامريكي الذي دخل غزة هو المصاب الأساسي بالعمى لأن العضلات المنفوخة والنظارة السوداء لا تغني عن البصيرة، رامبو هذا الحارس لعرش البنوك والمثلية والإنحلال والرأسمالية الوحشية يمثل الجيل الجديد من طبقات الحكم في الولايات المتحدة، الجيل القديم من الرئاسة الأمريكية والعسكر الأمريكي كان لديهم بعض الرؤية ولذلك حظوا ببعض العظمة والمواقف التي تعلموها من فظائع الحرب العالمية الثانية، لم يكن هؤلاء محكومون بالشركات والعصابات الكارتيلية وسلاسل الانتاج البنكية، اليوم لدينا النسخ الأكثر عمى و هزلا وضعفا ورداءة من الرئاسة الغربية التي تحكمها بالمطلق عصابات البنوك وامبراطوريات الإعلام ومصانع السلاح والنفط والغذاء والدواء وقطاعات الترفيه .
– إن كان من أداة ساعدت المعركة والشعوب على الابصار فهي الاعلام الشريف والصحافة المعززة لمحور المقاومة، نحن بحاجة ماسة إلى صحافيين و مؤرخين وعلماء اجتماع واقتصاديين مصنعين خصيصا في معمل طوفان الأقصى لرصد وكتابة ما يحدث وتوثيق الجريمة والنصر وسياق التاريخ دون تحريف ولا تزوير ليس فقط لأنه سيكون دليل الأجيال القادمة بعد كل هذه الجريمة الامريكية الفادحة، ولكن لإعادة الدور العربي مقابل التضليل الغربي وإزالة الغشاوة عن وعي المواطن الغربي ووضعه في منطقة الحكم والرأي الصحيح لأنه ثبت وبالدليل القاطع أن منهم من هو أفضل من مساحات عربية كاملة وأكثر جدارة واستحقاقا بعمارة الأرض والعدالة فيها .
– تصدير العمى الاسرائيلي إلى الجانب العربي والممثل بالسردية الصهيونية يجري على قدم وساق ويتمثل في نقطتين الأولى : محاولة عزل باقي فلسطين عن غزة، حيث يظن بعض الواهمين أن الضفة وباقي الأرض الفلسطينية هي في حالة تشرذم وتحلل من المعركة، فليتذكروا بأن هذه العملية اسمها طوفان الأقصى وانطلقت من الأصل لردع العربدة والتجاوزات في الضفة وما شاهدناه بالأمس من تحرير للأسرى أعاد وحدة الجسد المقاوم، النقطة الثانية هي الحبكات الدرامية الإعلامية التي يتم رسمها لما (بعد حماس) والتي تمثل أداة من أداوت الحرب النفسية التحضيرية، إن المقاومة الفلسطينية لم تكن لتكون كي تقبل بأي تدخل أو هيمنة او استحواذ على وجودها وقرارها واستقلاليتها بعد كل هذه التضحيات الجسـام، إن المقاومة هي الأداة الحضارية التي فرضت التغيير على كل هذا العالم الغارق في الخراب حتى النخاع .
-إن نجاح المقاومة الفلسطينية في الشوط الأول من المعركة ليس منفردا، بل هو نجاح عززته الساحة اللبنانية المشرفة والساحة اليمنية البطلة وشعوب الأردن ومصر والمغرب والجزائر وكل شعوب العرب والعالم التي تحركت لنصرة فلسطين.
-كل الظواهر والمواقف المتقزمة المارقة في ظل طوفان الأقصى حصلت تلقائيا على حكم بالاندثار في ممرات التاريخ حتى لو ظفرت بمكتسبات ظرفية، لقد قامت المقاومة الفلسطينية بإحداث تباعد بين قضبان السجن لكي تفلت منه الانظمة والشعوب التي عشعشت الهزيمة في صدورها ومقابل هذه النافذة الزمانية العظيمة تمت مواجهة الحدث بالدعوة الى ارتياد ماكدونالدز واقترح أحدهم نقل ( الأغنام ) الفلسطينية الى النقب ثم اعادتها بعد إبادة حماس وقام آخرون بإحياء أعظم مناسبات الرقص والغناء والليالي الملاح على الدم العربي وقام آخرون بدور الصلح الوفي للتقبل بين الدم العربي وسكين الولايات المتحدة، لقد فوت كل هؤلاء فرصة انعتاقهم وتجاوزوا الخط الأحمر للتاريخ وفاتتهم ليلة القدر الفلسطينية التي أهلت على الأمة في يوم 7 أكتوبر .
مشهد الأسيرات المحررات وصمود هذا الشعب هو نهرقادم من طوفان الأقصى الذي وعد فصدق، هذا الشعب لا يمكن أن تهزموه، نحن هنا ولن نموت حتى لو أحرقتم السماء والأرض، يا طائر الفينيق الموشح بالكوفية انهض وحلق بنا من فوق الرماد، اصعد وحَلِّق فوق الكرمل ويافا، اصعد وأعد الأزهار الى غزة، اصعد وأشعل السماء كي تستعيد الأرض، اصعد وحرر بلاد العرب، يا طائر الفينيق العربي اصعد وتجدد .
* كاتب فلسطيني
ماذا فعلت غزة بهذا العالم؟
