اليمن الحر الأخباري

غزة..فرق كبير بين القائد والسياسي!

د. محمود وتد
القيادة والسياسة من أهم الوسائل التى يستعملها الباحثون عن السلطة بغض النظر عن دوافعهم الشخصية أو الشعبية ونرى ذلك على جميع مستويات السلطة والتحكم من دول أو شركات أو منظمات. وعلى الرغم مما قد يظهر في الغالب من تداخل بين القيادة والسياسة إلا أن هناك اختلاف كبير بين السياسة والقيادة. هناك فارق مركزى فالقيادة هي منظومة طبيعية. والقادة هم أشخاص لديهم أفكار، وكاريزما، وقدرات تلهم الآخرين للقيام بمهام مختلفة والمجازفة وتحمل مسؤولية النتائج. يعرف القادة كيفية القيام بذلك بطرق صادقة وشفافة دون التلاعب بالآخرين والسيطرة عليهم. بينما السياسة هي منتج بيروقراطي حيث تسفر عن لعبة مساومة بين مجموعة من الجهات الفاعلة. يأتي السياسيون إلى اللعبة بتفضيلات وقدرات ومناصب قوة مختلفة. السياسى من خلال لعبة المساومة أحياناً بل غالباَ يتنازل عن قناعاته ومبادئه.
القائد لديه رؤية لخلق واقع جديد وملعبه فن المستحيل بينما السياسي يلجأ لاستخدام مناورات محدودة قصيرة المدى وملعبه فن الغايات الممكنة . الولاء هو أحد الجوانب الفاصلة التي تميز القيادة عن السياسة – فاتباع القادة هم مخلصون للقضية والرؤية بينما في السياسة الأشخاص حول السياسي هم مخلصون للشخص أو الزعيم وليس للقضية أو الهدف.
الولاء مفهوم مرغوب وليس أمراً سلبيا. لكن بينما السياسي يطالب أتباعه بالولاء الأعمى. القائد يبحث عن الولاء الصعب. حيث يشجع فيه الحوارات والنقاشات المفتوحة، ويُمَّكن الجميع من مشاركة ومناقشة وجهات النظر من جميع الزوايا. يُظهر لأعوانه كيفية معالجة المخاطر وتحسين النهج الذي يمكن إنشائه لبحث الخيارات وغربلة الحلول. هذا هو كنه العمل والولاء الجماعي فيه يصبح القائد “قائدًا خادمًا” يساعد فريقه وأعوانه على تحقيق الهدف، بدلاً من أن يكون ديكتاتورًا يستخدم الولاء للسيطرة والتحكم وخنق الأنفاس.
ما يميز القادة ليس فقط أن لديهم رؤية بل أيضا القدرة على فهم وهضم المتغيرات فى محيطهم وهم يعرفون كيفية تحقيق التوازن بين المهام والعلاقات. يكسب القادة أتباعًا من خلال إصرارهم والوفاء بوعودهم. فالقادة أكثر صدقاً في التعامل مع المخاوف التي قد تشغلهم داخلياً ويتمتعون بالشجاعة للتعبيرعن قناعاتهم وآرائهم.
وعلى النقيض من ذلك، فإن السياسيين هم أشخاص يركزون على العلاقات وهمهم إدارة من حولهم ومهما كانت دوافعهم فإنهم يعتمدون على كيفية استثمار علاقاتهم لتثبيت مناصبهم وتأمين الموارد لأهدافهم ومساعديهم وأعوانهم. همهم الأول والأخير هو أنفسهم وغالبًا ما يستخدمون مهاراتهم الدبلوماسية لتوجيه الآخرين نحو احتياجاتهم وأجنداتهم الشخصية.
قد تبدو القيادة والسياسة في بعض الأحيان متوافقة لكن هذا ظاهرياً فقط لأن عناصرها لا تختلط مع بعضها البعض أو لا يمكن أن تختلط بسهولة. لا يمكن لأحد أن يكون مخلصًا لبلده أو معتقداته عندما يكون في صراع مع نفسه. وكمثال على ذلك نرى في كثير من الأحيان أن رجال الدين يصدرون فتاوى ضد معتقداتهم لأنهم أمروا من قبل السياسيين. في هذه الأيام، إحدى هذه الفتاوى تنادى بأن المواطن لا يحق له أن يقوم بالمقاطعة (الشركات الداعمة للعدوان على غزة) حتى يطلب منهم ولي الأمر أن يفعلوا ذلك. هذا التصرف السياسى يسبب ظاهرة نفسية تسمى التنافر المعرفي أو الإجهاد العقلي، وله تأثيرات سلبية وتعقيدات إجتماعية . القائد لا يتصرف على هذا النحو، فهو يحشد كل طاقاته والجهود في اتجاه واحد ويحاول التقليل من التنافر المعرفي بينما السياسي يغذيه ويقويه بين مساعديه وفي أوساط شعبه .
للأسف جميع ملوك ورؤساء الدول العربية ليسوا قادة وغالبيتهم ليسوا سياسيين جيدين فمعظم قراراتهم ومناوراتهم أدت وتؤدي إلى تفاقم أوضاع مجتمعاتهم والأدهى تفضى إلى تقزيم دولهم وتأثيرها على العالم .على سبيل المثال، مقارنة مصر بتركيا، بغض النظر اتفقنا أو اختلفنا مع أيديولوجية ونهج الحكم فى كل منهما نجد أنه بينما تحاول تركيا زيادة نفوذها في محيطها ، من ناحية أخرى، تقوم مصر بالعكس وبالتالى فقدت مصر سيطرتها على أهم الأصول الاستراتيجية وهي مياه النيل (سد النهضة الإثيوبي). وفى ذات الفترة، وصل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في تركيا في عام 2022 إلى ضعف نظيره في مصر.
وفي نظرة سريعة لكن ثاقبة نستنتج أن فى العالم العربى الآن هناك قائدان فقط ليس لديهم دول ولا مناصب زعامة ولا عواصم. سأركز على واحد منهم في هذه المقالة. للتذكير القادة يرفضون الإنصياع أو التحكم بهم أو تقييدهم. إنهم يرون الأمور بشكل مختلف ويبحثون عن الفرص لتحسينها. بعكس السياسي فهو لا يرفض الإنصياع إلى الضغوط الخارجية إذا كان الإنصياع يخدم مصالحه الشخصية.
إن اتخاذ القرارات الصعبة ليس بالأمر السهل. صُنع القرار هو مزيج من العلم والمعرفة والفن. وهو مبني على ثلاثة عناصر رئيسية – وهي نوع القرار، وعملية اتخاذه، وشخصية صانع القرار. وهناك ثلاثة أنواع قرارات رئيسية هي – القرارات الاستراتيجية الغير مهيكلة، والتكتيكية الشبه مهيكلة، والنوع الثالث هو التشغيلي الروتينى. إن قرار خوض الحرب هو قرار غير مهيكل استراتيجي وصعب جداً للغاية لأن صانع القرار لا يملك كل المعلومات اللازمة لاتخاذه ولهذا السبب يتطلب هذا النوع من القرارات أيضاً نوعًا خاصًا من القيادة لصنعه وإتخاذه.
وتُميز نظرية اتخاذ القرار بين ثلاثة أنواع من صانعي القرار، أفضلهم يعتمد على الحدس، والثاني يستخدم العقلانية، والثالث “الغير عقلانية” وهو الأسوأ. ينطبق مصطلح الحدس على اتخاذ القرار الذي يكون بديهيًا وحكيماً والعقلاني أو المنطقي على اتخاذ القرار الذي يتم تحليله بوعي وتخطيط ومصطلح الغير عقلاني على اتخاذ القرار والسلوك الذي يستجيب للعواطف وينحرف عن التفكير والفعل بعقلانية.
إن من السّابق لأوانه تقييم نتائج العُدوان الصهيوني على قِطاع غزّة ولكن أهم استنتاج اتفق عليه كافة المحللين والخبراء أن قرار السّابع من تشرين أوّل (أكتوبر 2023) الذي اتخذته قيادة حماس ممثلة بالقائد يحيى السنوار يعكس شجاعة ورؤية وذكاءً استراتيجيا فيه استطاعت بثقة وتخطيط أن تهزم المؤسّسات الصهيونية العسكريّة والسياسيّة والإستخباراتية وتحقق أهداف نوعية.
هناك تناقض شديد وربما للمرة الأولى نراه بين النهج العقلاني والحكيم لقادة حماس مقابل النهج الهمجى العاطفي غير العقلاني الصهيوني في إدارة الحرب. أدار قادة حماس هذه الحرب بطُريقة عقلانية وإستراتيجية مبنية على قدرة هائلة بالحسم وإتخاذ قرارات سريعة مقابل إدارة القيادة الصهيونية بعقليّة عشوائية انتقاميّة مهزوزة متخبّطٍة عمادها القصف التّدميري الوحشي للمدنيين الأبرياء ودورهم ومزارعهم ومساجدهم وكنائسهم ومستشفياتهم ومدارسهم. نهج حربِ أجمع الخبراء على أنه إبادة وتطهيرٍعرقيٍّ لم يشهد العالم مثيلا له .
هناك تناقض أخر وربما نشهده للمرة الأولى أيضاً فالزعيم الصهيوني يتصرف كسياسي – يحرك شعبه في طريق كارثي وغير مدروس لخدمة أجندته الشخصية، ومن ناحية أخرى يتصرف الزعيم الفلسطيني كقائد يخدم أجندة شعبه – الأجندة التي تؤدي إلى الحرية ورفع الظلم وتفكيك الاحتلال . نعم الثمن باهظ والحرية طريقها شائك وصعب وبغياب عمق إستراتيجى فالطريق أصعب ولكن نيل الحرية لن يكون بالتمنى أو استدرار شفقة الأخرين وكسب تضامن بعضهم ولكنها تؤخذ غلابا بالعقيدة والإيمان والعدل والحق والأهم وجود قيادة حكيمة واعية صادقة شفافة تخدم أهلها وشعبها على عكس السياسيين ومطامعهم البغيضة الذين لا يستشعرون الكرامة ولا يعرفون العزة ويرعبهم قول الحق وحتمية النصر.

Exit mobile version