د.محمد الحوراني*
على الرَّغمِ من استخدامِهِ أعتى أنواع الأسلحة في حربه على الشَّعبِ الفلسطينيِّ، لا تزالُ فرائصُ كيانِ الاحتلال الصهيونيّ ترتعدُ خوفاً من أبناء هذا الشعب الأبيّ ومن كُلِّ مُناصِرٍ وداعمٍ لهُ في كفاحه لاستعادة حقوقه المُغتصَبة، بل إنّ هذا المُحتلَّ الجبانَ غدا أكثرَ توحُّشاً وإجراماً في حربه ضدَّ الشعب الفلسطينيّ بعد حملات التَّضامُنِ الغربيّة والعالميّة مع أبناء فلسطين، وهي حملاتٌ لم تقتصرْ على دُوَلٍ عُرِفَتْ تاريخيّاً بدعمها لعدالة القضيّة الفلسطينيّة، إنّما تَجاوَزَتْها لتصلَ إلى عقرِ دار مراكز القُوى والدّعم للكيان الصهيونيّ، ويظهرُ هذا جليّاً في الدعم الكبير الذي تحظى به القضيّةُ الفلسطينيّةُ في صفوفِ طلبة الجامعات في الولايات المُتّحدة الأميركيّة، وفي وسائل التواصُل الاجتماعيّ فيها، وهذا ما دفعَ الحكومةَ الأميركيّةَ إلى التهديد باتّخاذ عقوباتٍ وإجراءات مُشدَّدة بحقِّ هؤلاء الطَّلَبَة.
هذا الدَّعمُ للقضيّةِ الفلسطينيّة، والتَّضامُنُ معها، والمُطالبةُ بوقفِ الحرب الإرهابيّة على أطفالِ فلسطين ونسائها، كانَ كُلُّ ذلكَ حاضراً بقُوّةٍ لدى أطفالِ المدارس في بريطانيا أيضاً، إذ اعتصمَ طُلّابُ المدارس هُناكَ، مُطالبِينَ بوضعِ حدٍّ للمجازر التي يرتكبُها الكيانُ الصهيونيّ بحقِّ أشقّائهم في فلسطين، وهو ما يعني أنّ هذه القضيّةَ لا يُمكِنُ أن تموتَ، بل إنّها تنتقلُ من جيلٍ إلى جيل، ومن طفلٍ إلى طفل، تماماً كما صوَّرَتْها روايةُ “الطنطوريّة” للراحلة رضوى عاشور، إذْ تَحدّثتْ بألمٍ كبير عن المجازر التي ارتكبَها الاحتلالُ الصهيونيُّ في الطنطورة، مُحاوِلاً بها القضاءَ على الكبارِ وجَعْلَ الصِّغارِ يَنْسَونَ قضيّتَهم وأرضَهم بعد تشريدِهم هُنا وهُناك بعيداً عن أرض فلسطين التي تغلغلَ عِشقُها في شرايين الأبناء والأحفاد من الرِّجالِ الذينَ صَدَقُوا ما عاهدُوا الدِّماءَ عليه، ولهذا لمّا شاختْ “رُقيّةُ الطنطوريّةُ” أتتْ رُقيّةُ الصَّغيرةُ مُعْلِنةً بَدْءَ الرِّحلةِ من فلسطينَ وإليها، كيفَ لا، وهي الساكنةُ تفاصيلَها كُلَّها، ببَحْرِها وسَهْلِها، ببُرتقالها وزيتها، بزعترها وطيّونها، في رُوحِها وقلبِها وجوارحها كُلِّها؟!
إنّهُ بهاءُ الحُضورِ الباذخ لفلسطينَ وألَقُهُ لدى أطفالِ العالمِ وشبابِهِ الذينَ آثَرُوا الانحيازَ إلى عدالة القضيّة ودَعْمِ أهلها، كما هو اليقينُ بالنَّصرِ والثبات على العهد والوعد لدى أطفالِ فلسطينَ وشبابِها ونسائها ورجالها في مُواجَهتِهم أصنافَ الإجرامِ الصّهيونيّ كافّةً في حرب الإبادة التي يتعرّضُونَ لها على مرأى العالم “المُتحضِّر” ومَسْمَعِه، هذا العالم الداعم للكيان الصهيونيّ المُحتلّ.
لقد أسْهَمَتِ الحربُ الأخيرةُ التي يشنُّها الكيانُ الصهيونيُّ على أهلنا في غزّة خاصةً، وعلى فلسطينَ عامّةً، في تعزيز حُضورِ القضيّةِ الفلسطينيّةِ لدى الأطفالِ والشّبابِ في الغرب، كما أسْهَمَتْ في تغييرِ الصُّورَةِ المُلفَّقةِ التي اشتغلَ الإعلامُ الغربيُّ والسَّرديّاتُ الصهيونيّةُ والغربيّةُ المُزيَّفةُ على تكريسِها زمناً طويلاً في أذهانِ النّاشئة، كما أنّ هذهِ الحربَ أثبتَتْ هشاشةَ الديمقراطيّة الغربيّة وخوفَها الكبيرَ من الرّأيِ الآخَرِ، ولا سيّما حينَ يتعلّقُ الأمرُ بالقضيّةِ الفلسطينيّةِ ومُحاولاتِ كَشْفِ حقيقةِ عُنْصُرِيَّةِ الكيانِ وإجرامِه، ولهذا فلا غرابةَ في أن تُوقِفَ دارُ “فايار” الفرنسيّةُ للطِّباعةِ والنَّشْرِ بَيْعَ كتاب “التَّطهير العِرقيّ في فلسطين” لأحدِ أهمِّ المُؤرِّخينَ الجُدُد لِمَا بعدَ الصهيونيّةِ الأكاديميّ “إيلان بابيه” لانتقاداتِهِ المُتكرِّرةِ للجرائم الصهيونيّةِ بحقِّ الشعبِ الفلسطينيّ، ورَفْضِهِ ونَقْضِهِ الرِّوايةَ الصهيونيّةَ عن أرضِ الميعاد، ولا غرابةَ أيضاً في أن يُغيِّرَ مالِكُ منصّة (X) “إيلون ماسك” من سياستِهِ في النَّشْر بعدَ زيارتِهِ الأخيرة لفلسطينَ المُحتلّة ولقائِهِ قادَةَ الاحتلال، وهو ما أدّى إلى تراجُعٍ واضحٍ وإخفاءٍ للمنشورات الداعمةِ لفلسطينَ والمُندِّدة بجرائم الاحتلال، وهذا ما يُؤكِّدُ السَّيطرةَ الصهيونيّةَ على الإعلامِ الغربيِّ بأشكالِهِ كافّةً وتَحكُّمَها المُطلَقَ به.
أخيراً، بقيَ أن أقولَ: إذا كانَ اعتراضُ طالبٍ لا يتجاوزُ الثالثةَ عشرةَ من عُمرِهِ في ولاية جورجيا الأميركيّة على إحضارِ أُستاذِهِ العَلمَ الصّهيونيَّ إلى الفصلِ جَعَلَ أُستاذَهُ اليهوديَّ “بنجامين ريس” يُهدِّدُهُ بقَطْعِ رأسِهِ، فماذا عسى الولاياتُ المُتحدّةُ الأميركيّةُ أنْ تَفْعَلَ بمَنْ يدعمُ القضيّةَ الفلسطينيّةَ وقُوى المُقاوَمَةِ فيها؟! ومَنْ قالَ إنّ التَّهديدَ والوعيدَ الصّهيونيَّ والغربيَّ لن يَجْعَلا أبناءَ المُقاوَمَةِ وداعميها أكثرَ تَمسُّكاً بالثوابتِ والمبادئِ الّتي لا يُمكِنُ التَّنازُلُ عنها أوِ المُساوَمَةُ عليها؟
*كاتب سوري
حربُ غزّة… تَمسُّكٌ بالحقِّ وتعريةٌ للديمقراطيّاتِ المُزيَّفَة!
