خالد شحام*
مع حلول العام الميلادي الجديد واستمرار تدفق روح الحضارة الغربية التي لا تزال تنبعث دون توقف من الغرب والولايات المتحدة إلى غز ، بمقدروكم مشاهدة عظمة هذه الروح ومدى تسامحها وسُموِها ونُبلها في عرض دائم ومُستدام منذ شهور ثلاثة دون توقف ، بالأمس فقط قدم لنا السنيور (مايك بينس( نائب ترامب السابق بكل تجرد وصلة إنحطاط حضاري وهو يضع توقيعه المقدس على قذائف المدفعية الإسرائيلية المهداة إلى شعب لبنان أو فلسطين ليقول بخط واضح أهديكم هذه القذيفة مع محبة ومباركة الولايات المتحدة وهنيئا لكم بموت عشرة أو عشرين حيوان منكم !
هل بقي من أحد لم يحضر بعد لممارسة طقوس التقديس والدعم والولاء لأعداء الحياة ؟ هل نسينا أحد أو ان أحدا قد نسينا من الوزراء أو اعضاء البرلمانات أو مسؤولي الحكومات الغربية للحضور و رشِّ ماء القُداس على الصواريخ والطائرات والدبابات الصهيونية ؟ هل بقي من أحد لم يشارك بعد في قداس القتل وتعميد القَتَلة في غزة وتلاوة بعض العبارات الكرتونية في ميكروفون الموتى ؟ هل بقي من أحد لم يساهم بعد في قتل وذبح أطفال ونساء غزة بشكل أو بآخر ؟ هيا أقدموا وتعالوا فالعرض مجاني والدم رخيص والعرب فقدوا العذرية وضاع عروة بن الورد في زحام الانتخابات الرئاسية ولا حرج على أحد !
لم يعد من السهل الادعاء بأن الحياة صحيحة أو تسير على ما يرام ، لم يعد ممكنا لي أو لكم أ لأي كان أن يدعي النجاح في أي تفصيل من تفاصيل الحياة مهما كان لأن وجع غزة بات متلازمة لكل صغيرة وكبيرة ، عندما أقوم بالصلاة لا زلت أشعر بأن هذه الصلاة مزيفة ومنقوصة وفيها طعم مفقود ، عندما أتناول الطعام أدرك بأن معدتي في حالة إضراب قسري وتحاول الضحك على هذا الجسد بأن الأمور كما هي معتادة ، عندما أذهب أو ابتعد أو اقترب أعلم ان كل هذه المسافات فيها لعنة ما لا يمكنني تشخيص موقعها ولا مبرراتها ، لقد دخلت غزة في تفسير ظاهرة احتباس المطر وامتناع السماء والاضطراب المناخي ولم يعد من الممكن القول بأن هذه كلمات عاطفية مفرغة وسقطات إنشائية .
فيما مضى من تاريخ الإبادة وأعمال الإجرام الجماعي كان القتلة والمجرمون الكبار من الدول الاستعمارية يستندون إلى فكرة مهمة جدا في سيكولوجية الجريمة وهي ان أحدا لا يرى ولا يسمع ما يحدث فلذلك افعل ما تشاء ، الفارق الهائل الذي حدث في هذه السيكولوجية أن وسائط الاعلام والانترنت كسرت هذه القاعدة ووضعت الجميع امام الحدث وامام نفسه وأمام مسؤولياته ، صرنا نشاهد العذاب والضنك والقتل الممنهج لأهلنا في غزة دون أن نتمكن من فعل شيء ، في هذه الحالة عندما تحدث الجريمة على مرأى ومسمع منـا فقد سقطت براءتنا جميعا وسقطت حججنا جميعا وتهاوت عزلتنا ولم يعد من سبيل للتنكر لهذه الانسانية ، نحن نعلن انسحابنا من الإنسانية والعروبة ولنذهب جميعا إلى صحراء النفط والرمال وباعة البلاد وتجار الأديان ومقاولو الشرف ، كونوا حجارة او حديدا فهذا زمن الرخص بلا منازع واطلبوا من غزة أن يأتي الله أو الملائكة جميعا أو انزل علينا كسفا من السماء أو ائتنا بالله والملائكة جميعا .
يمكن بكل ثقة إعلان المنطقة العربية كمنطقة منكوبة بلا تحرج ، منطقة منكوبة بموات الضمير والإنسانية ، منطقة مستنقعات معيشية مصنوعة قسرا وبالإكراه وبالحراسة تسد فيها الكلمات محل الأفعال ويحل فيها الكذب الضخم مكان الانجازات الحقيقية ، مستعمرات من الفطريات التي لا قدرة لها على التكاثر ولا حتى على الموت ، منطقة عجوزة وعاجزة إلا من رحم ربك وأتى المقاومة على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ، منطقة مصابة بالوهن التاريخي وألم المفاصل المزمن ، لقد تحول القتل والتعذيب والضنك والامتهان إلى شيء معتاد في غزة إلى الحد الذي يمكن تقبله كل يوم أكثر ، هل ترغبون في زيارة شواطىء العراة التي تسمعون عنها في المدن الأوروبية ؟ لا داعي لذلك فكلنا اليوم عراة وكل عواصمنا هي عواصم العراة امام غزة إلا صنعاء والضاحية ، نعم إنهم يرغبون في تحويلنا إلى (حيوانات ) لا تشعر ولا يؤنبها ضميرها ولا تحس بكرامتها تماما كما قالها غالانت ونتانياهو وباقي أفراد العصابة وهم يعلمون تماما من هم الحيوانات .
في تقرير مصور بثته الجزيرة تطوف الكاميرا على مدرسة من مدارس الأونروا ، أتذكر في الشهر الأول للعدوان كيف كان شكل هذه المدرسة ، ثم أقارنه بالصورة الحالية التي قدمها التقرير ، مشاهد مروعة لا تكاد تعقل ومن الصعب تصديقها ، من الصعب جدا تقبل حالة الحياة في غزة ، من العسير جدا أن نتقبل ذلك الذي فعله هؤلاء الوحوش بسكان غزة !
لقد وصلت الجريمة الصهيونية كل الخطوط الحمر والزرق وحتى السود ، لقد توغلوا في الحقارة والانحطاط التاريخي وأتوا الوحشية التي لم تأت عليها كل موبقات وخطايا التاريخ ، مسكين هتلر أمامكم أيها الأراذل ! ماذا يمكن أن نقول لمن يحرقون المساكين الشاردين من القصف ويحتمون بمدرسة أو مستشفى أو زاوية شارع ؟ ماذا نقول في هذه الحيوانات التي تجرف المقابر وتعتدي على سكينة الموتى وتخطف الجثامين التي ماتت مائة مرة ؟ ماذا سيقول الزمان فيمن قتلوا غيلة أكثر من ثلاثين ألفا في ثلاثة شهور حزينة ؟ ماذا سيحكي التاريخ عمن منعوا المسكنات والمخدر عن الذين تقطعت أيديهم وأرجلهم وتفتحت جراحهم ويصرخون من الحياة ؟ ماذا سيروي التاريخ حول قصص الجنود الأنذال الذين يعتدون على المكبلين والمعصوبة أعينهم ويطلقون النار عليهم تسلية وترفيها ؟ ماذا سيحكي التاريخ عن أكبر مؤامرة على شريط محاصر مجوع يتعرض للقصف بلا هوادة وجراح المصابين ملتهبة ، هل تنتظرون أن يموت ثلاثين ألفا أيضا من الجرحى ؟ ما الذي يريده من يمنع الغذاء والدواء والماء والكهرباء إلا قتل أكبر عدد ممكن ؟ ماذا تبقى في غزة من شيء لم يتم قصفه او حرقه ؟ ماذا تبقى لهؤلاء المساكين كي يبقوا على قيد الحياة ؟ هل تسمعون مطالبات المسؤولين والوزراء الاسرائيليين أبناء ( الحضارة والتقدم ) بحق غزة : أبيدوهم – اسحقوهم – اضربوا عليهم قنبلة ذرية – لماذا لم يتم قتل مائة ألف في أول ضربة ؟ – دمروا الآونروا واقطعوا عنهم كل سبل العيش – دمروا الحجر والبشر في غزة !
ما هذا يا أيها الأحياء ؟ ماذا نفعل ولماذا لا تهتز الأرض زلزالا ؟ لماذا لا تتحرك أيها التاريخ لتغسل كل شيء وتعيدنا جميعا إلى الصفر وعصر إشعال النار بدلك العيدان ؟ ، يا رب أين المفر و من ينقذ كرامتنا ؟ من يشفي صدرونا يا أيها الزمان المكحل بالكحلي ؟
كل شيء في غزة يتألم وينزف ويشعر بالجوع ، هل من المعقول يا شعب مصر الذي يفيض عروبة وانتماءا ووفاءا أن نعجز عن فعل شيء حيال معبر الموت ؟ يا جيش مصر الذي نعتز ونفاخر به كرامة وشرفا ، أليس من شيء أو أحد ليفعل شيئا حيال هذا الخنق بحبل المعبر الملعون ؟ أين أنتم يا رجال فتح حيال المدنيين في غزة ؟ أين التاريخ المجيد والعاصفة التي وعدتنا بشجرة الزيتون الخالدة ؟ هل فقدنا العهدة إلى هذا الحد أيها الشرفاء ؟ هل تقبلون بأن يُفعَل بأبناء شعبكم ما يجري على عيوننا وعيونكم ؟ أين أنتم يا أئمة المسلمين ؟ أليس من فتوى تحرم السكوت أو فتوى تأمر بقفزة ملمتر من رجولة حيال هؤلاء الأطفال والنساء ؟ هل تقبلون بأن تُجَرَ المرأة المسلمة بحبل على الأرض كي يتم انقاذها من رصاص الغيلان ؟ أليس فيكم من ثائر أو ذكورة بما فيه الكفاية ؟ هل تقبلون أن يبكي الرجال على صغارهم وبناتهم ونسائهم ؟ أين أنتم أيها الرمال التي تذروها الرياح ؟
إن في القلب آآآهـا لو أفلتت لأحرقتكم جميعا ! ألا تستحون من إنسانيتكم ؟ ألا تخجلون من كونكم بشرا أم عربا ؟ أين هو القتال المطلوب منكم لو أدخلتم بعض الأدوية ؟ ما هو نوع الحرج الذي أنتم فيه لو مررتم بعض الطعام والملبس ؟ اي عار انتم فيه لو أنقذتم بعض الأطفال على الأقل ؟ ألا تستحون من نسائكم واطفالكم ؟ هل تقبلون على أنفسكم أن نتحول جميعا إلى (حيوانات غالانت ) في الحظيرة التي رسمها لنا وليس لأهل غــزة ؟
لا شك أننا نتباهى ونرفع رؤوسنا عاليا بكل مشهد متعلق بهذه المعركة ، نفخر بالمقاومة الفلسطينية التي اذلت وهزمت جيش العدو ، نفخر ونعتز بشعب اليمن وبطولات انصار الله ، نعتز بالقتال في جبهة الشمال مع لبنان المقاتل ، لكن هنالك ركنا في الخاصرة يوجع ويتعمد العدو ان يضع فيه كل الوجع تعويضا عن هزائمه النكراء ، إنه المدنيين في غزة ، فأين الأحياء من الحيـاء ؟
لا شيء يشفع ولا شيء يمكنه أن يكبت هذه العاصفة إلا صمود هؤلاء الذين وصفهم أكبر قذر في التاريخ بأنهم (عماليق ) وقد صدق في كلامه بعد التصحيح اللغوي فهم عمالقة أثبتوها بجدارة وقوة وتمكن هؤلاء العمالقة من سحق هذه الأقزام الشيطانية .
معذرة منك يا صاحبة العينين الخضرواتين ، لا تحزني يا غزة ، لقد تحملت ما لا تطيقه الجبال وبرهنت أن العرب يمكنهم أن يغيروا كل هذا التاريخ عندما يشاؤون ! لم يبق سوى القليل يا سيدة الشهداء وستشرق الشمس لأجلك وتمسح نسمات البحر جبينك وستعود النسور لتأوي إليك ، لا تحزني وقري عينا فستكوني درة التاج الشرقي وملكة الحرية العربية وسيركعون تحت قدميك الرخاميتين العربيتين ، لا تحزني وهزي إليك بجذع النخلة تساقط على أطفالك رطبا جنيا ، لا تخافي ولا تحزني وقري عينا وهزي بيديك القسام والياسين تساقط عليهم سعيرا أبيا .
*كاتب فلسطيني
غزة..ستشرق الشمس لأجلك وسترفعين شارة النصر المؤزر!
