علي محسن حميد*
تعيب الولايات المتحدة وقطيعها على تنظيمات وأحزاب عربية تتحالف مع إيران ضد إسرائيل بأنهم ” وكلاء إيران”. وعندما يتحدث ساسة الغرب وإعلامه عنهم لايكفون عن تكرار هذا النعت بينما يتعففون عن وصف أنفسهم بأنهم “وكلاء إسرائيل”. لقد نجحت الولايات المتحدة إلى حد كبير في شيطنة إيران وحلفائها العرب حتى اعتاد عرب كثر على ترديد العبارة ناسين أن بلدانهم وكيلة بصورة أو بأخرى لواشنطن.
التحالفات ليست جديدة في العلاقات بين الدول أو بين الدول والمنظمات المقاومة أو التي تتماثل سياساتها أوتلتقي مصالحها . الولايات المتحدة لم تكن تصف من قبل الأحزاب الشيوعية العربية وغير العربية رغم عدائها لها بأنها وكيلة موسكو أو بكين ولم تستخدم كلمة “وكلاء “الا في صراعها مع إيران. واشنطن ترى أن كلمة “وكلاء” تنتقص من مكانة واستقلالية من تجمعهم قواسم مشتركة مع إيران بينما لاترى هي في ذاتها أو في وكلائها وعملائها أي نقيصة وهي نفسها بعظمتها وكيلة لإسرائيل سواء في الأمم المتحدة ومجلس أمنها أو في موقفها المخزي من دعوى جنوب افريقيا في محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل المتهمة بممارسة الإبادة الجماعية في غزة. اعتدت امريكا وبر يطانيا على اليمن مرتين الأولى في 12 يناير والثانية في 13 منه بثمانين غارة جوية وبحرية على أكثر من ستين موقعا عسكريا في عدة محافظات شمالية يمنية بزعم أن سلطة أنصار الله في صنعاء ” وكيلة إيران” تهدد التجارة الدولية في البحر الأحمر متجاهلة إنكار صنعاء المتكرر أنها لاتنوي أو لاتريد أن تفعل ماتزعمه امريكا وأنها تستهدف فقط منع مرور السفن التجارية الإسرائيلية تضامنا مع الشعب الفلسطيني الذي يتعرض للإبادة والتشريد.
أما الولايات المتحدة فترى أن مشاركتها “الحميدة” في جرائم الحرب في غزة وفي حصارها ورفضها وقف القتل والدمار مشروع . إن عدوان بريطانيا وامريكا على اليمن تم بالوكالة الحميدة عن إسرائيل .
إسرائيل تقتل في غاراتها الجوية وفي اقتحاماتها البربرية البرية يوميا مائة وخمسين مدنيا فلسطينيا في المتوسط أغلبهم من النساء والأطفال وكل هذا لم يحرك ضمير كبير الوكلاءالحميدين بايدن ، ليقول كفى. لقد ردد أنصار الله أكثر من مرة بأن كل السفن التجارية آمنة عند مرورها في البحر الأحمر وأنهم يستهدفون سفن العدو وحدها حتى يتوقف عن تدمير غزة وتهجير سكانها . الاعتداء على اليمن مرتبط بهذه الحرب وهو برهان آخر على إستمرار دعم واشنطن وقطعانها لجرائم دولة الاحتلال في غزة وفي الضفة المحتلة المشتعلة بالمقاومة. لقد تعلمنا من درس واشنطن الإسرائيلي أن الوكالة عندما تتصل بمصلحة إسرائيل فإنها تتضمن تمييزا وعنصرية حميدين ولكنها خبيثة عندما تكون لغيرها. إن الجميع يعلم أن ماقامت به سلطة صنعاء مشروعا لأن اليمن لاتزال في حالة حرب مع إسرائيل وتعتبرها عدوا حكمها حكم أغلبية الدول العربية التي لم تطبع مع دولة الاحتلال وله سابقة مهمة عندما قام اليمن بشطريه، بالتعاون مع مصر بإغلاق باب المندب أثناء حرب اكتوبر عام 1973 تضامنا مع مصر وسوريا في وجه الملاحة الإسرائيلية ولم تستنكر هذا الإجراء اي دولة حليفة لإسراىيل لانه كان مشروعا وتطبيقا لمعاهدة الدفاع العربي المشترك التي لاتزال سارية.. إغلاق اليمن بشطريه لباب المندب أسهم بدور ملحوظ في تحقيق نصر اكتوبر ولكن هذا الإسهام الهام يندر ذكره في مذكرات الحرب وفي مناسبات إحيائها السنوية .
العدوان على اليمن ذكّرنا مرة ثانية بالهوان العربي العام الذي تجلى في ردود الفعل العربية الباهتة على العدوان على اليمن ومنها الجامعة العربية الذي قال ناطقها الرسمي صباح 12 يناير من العدوان بأنها ” منزعجة” وذكّر السائل بإرشيف ومواثيق الجامعة ليتأكد من انزعاجها. المتحدث أضاف بأن مايقوم به الحوثيون باستهدافهم سفن وممرات تصعيد خطير ولم يربط هذا العدوان الذي لم يسمه كذلك بالعدوان على غزة أو بالعدوان الخطير على دولة مؤسسة للجامعة.
إن إسرائيل المستهدفة وحدها في البحر الأحمر ظلت صامتة منذ الاستيلاء على سفينة شحن إسرائيلية ولم تتوعد أو تهدد برد انتقامي حتى بعد ذيوع النسبة المعلنة عن خسارة ميناء إيلات المحتل ل85%من السفن التي اعتادت الرسو فيه . ولاريب أن صمتها كان متفقا عليه مع مأموريها الذين سيحاربون بالوكالة الحميدة المفتوحة نيابة عنها ويعيبون على المقاومة الفلسطينية وحزب الله مقاومتهما” الخبيثة” للاحتلال والعدوان ويصفونهما بوكلاء إيران التي تحركهم كالدمى بينما يعفون أنفسهم من نفس التصنيف رغم أن إسرائيل تحركهم فعلا كالدمى. المؤسسات السياسية والعسكرية والاستخبا رية الامريكية ليست هي الوكالات الحميدة الوحيدة لإسرائيل فقد افتضح الإعلام الامريكي الذي يزعم بأنه حر ومستقل وتعرّى مؤخرا بعد مانشرت صحيفة نيويورك تايمز بأنها لاتنشر شيئا عن الحرب على غزة قبل فحصه وإجازته في القدس المحتلة أي من قبل موكليها في إسرائيل. هل هناك وكالة بل عمالة أكثر وضاعة من هذه. وإذا كانت إيران لم تُضحِ حتى اليوم بقواتها في أي صراع لايخدم مصالحها الوطنية فإن واشنطن وقطيعها المخلص رهن الإشارة في خوض كل الحروب العسكرية والاقتصادية لصالح إسرائيل.الغرب عموما يتبع كل وسيلة لإفشال أي مسعى فلسطيني مقاوم أو عربي مسالم لتحقيق حتى “سلام ناقص” للفلسطينيين لأنه لايريد إلا السلام الذي يرجح كفة إسرائيل الشاملة في الجغرافيا الفلسطينية، هذا إذا بقي منها شيء يصلح ككيان فلسطيني فاعل ومحترم وليس هزيل وهش تديره إسرائيل عن قرب وتفصله عن محيطه العربي.الغرب عموما حريص جدا على أن يجعل من إسرائيل نمرا هائجا وسط جيران من الحملان العرب الذين قصقصقت واشنطن أجنحتهم وحتى أظافرهم وجعلهتم عاجزين كل لسبب مختلف عن الآخر صنعته واشنطن بإحكام بمساعدة ” شركاء استراتيجيين” من نفس اللسان والجلدة العربيين. هؤلاء الشركاء، غير الشركاء في واقع الأمر، توقفوا نتيجة مقاومة غزة عن استخدام هذا التعبيرالذي اعتادوه حتى عندما يزورهم عضو كونجرس صهيوني. إن شراكة من هذا النوع تفقد الطرف الضعيف فيها استقلاله الوطني واحترامه المحلي والعربي والدولي.
*نقلا عن رأي اليوم
الوكالات الحميدة والوكالات الخبيثة في سياسات واشنطن وقطيعها
