خالد شــحام*
خلال الأيام الماضية طحنت غزة كمية كبيرة من حبوب الأعلاف لكي تطعم كل هذه الأمة الجائعة عدا اليمن ولبنان وتمكنت من إشباعنا جميعا ، وبالأمس تمكنت غزة من إعلان حكمها على هذا العالم الذي نعيشه ، مؤسساته ودوله وشعوبه وأطلقت حكمها على محكمة العدل الدولية ، و في غفلة من النائمين والمتآمرين تمكنت الشجاعية من تثبيت أول نصب تذكاري حقيقي لكرامة الأمة ، ثم تلاها مخيم المغازي بصناعة المجد العربي الموقع بأيدي الشرفاء الحقيقيين الذين يتآمر عليهم كل العالم ، تحية لك يا غزة يا صانعة الكرامة في مطحنة الأعلاف ، تحية لكم يا أنصار الله في يمن البطولة الذين تحديتم الاستكبار والاستعلاء الصهيوني ولو كان الثمن دمكم ، تحية لكم يا أبطال غزة وأهل غزة الذين أطعمتم أيامنا الجوعى من خبز الكرامة والإحساس بالوجود .
بالأمس ومع صدور قرار المحكمة الدولية الذي كنا ننتظره تم إسقاط الرواية الصهيونية ذات القالب الكاذب وتم تحقيق إدانة أولية لها وتحصيل بعض المكتسبات التي نتلهف لها ونتوق لسماعها ، أمضيت شخصيا عدة ساعات في متابعة خبراء قانونيين ومحللين ولقاءات وحوارات دون أن أتوصل إلى أي شيء تنفيذي فوري واضح المعالم ، توصلت في النهاية أن الشيء الوحيد الذي سيحسم حقيقة هذه القرارات هي الأيام القادمة ونوعية المتغيرات الملموسة التي يصرح بها سكان غزة فقط ، فليس من أحد منا قادر على الحكم نيابة عنهم .
جميعنا يتوق إلى صدور قرار أو إجماع بأي شكل وبأية صورة ومن أية جهة لإيقاف هذا العدوان الإجرامي وإنقاذ أهل غزة المجوعين المعدمين بصورة فورية خاصة في ظل سقوط الأنظمة العربية وانعدام فاعلية شعوبها ، في هذه المقالة لا يمكنني الحديث عن قرارات محكمة العدل لأسباب عديدة لكن أهمها على الإطلاق هو ان أكثر ما نخشاه أن تكون مثل هذه الإجراءات مدخلا لما بعد إيقاف هذا العدوان الإرهابي الصهيوني خاصة في ظل التصريحات والاسقاطات التي سادت طيلة الاسبوعين الماضيين لما بعد غزة .
في داخل وعي الشر العسكري البشري تقبع أدوات كثيرة لبلوغ الأهداف فاقت أية مجالات أخرى كلفا وتنوعا ، أدوات مادية وغير مادية خُلِقت وأبتُكِرت لبلوغ أهداف السيطرة والاستعمار والإذلال وهزيمة الطرف الآخر، كان التضليل ولا يزال واحدا من تلك الأدوات المطلقة عبر التاريخ كله ، والتضليل علم وفن ومذاهب .
عقب مشاهدة الأداء السياسي الاعتدائي على بلادنا من الولايات المتحدة طيلة سنوات مصابة بالسكري تبين أن هنالك أداة جديدة خلقتها الولايات المتحدة منذ ساء صباحنا بجورج بوش الأب ثم بصاحب الحذاء جورج بوش الابن وتكملة وصولا حتى السيد جو بايدن والعصابة المحيطة به حاليا ، الأداة الجديدة اسمها الضحك على الذقون وهي التسمية العربية المناسبة لنوع من حرب التضليل التي يمتزج فيها الهزل مع الجَّــد ، والواقع مع الخيال ، والانتصار في التضليل مع حفلة ضحك ختامية حتى الصباح ، الضحك على الذقون أساسها اللغوي ذو الصلة هو خداع أصحاب الذقون كناية عن البالغين وبمثابة أن الذقن هي موضع تكريم في وجه الإنسان ودليل على الوقار والوعي والخبرة ، فيكون الضحك على الذقون كناية عن الضحك على العقل والوعي والفهم والخبرة ، وبهذا المنطق تمكنت الولايات المتحدة من خلال سياسييها صغار القامة من ممارسة (الضحك على الذقون ) كأداة سياسية في ساحة معاركها السابقة والمعاصرة ليس على العرب فحسب بل ربما على العالم بأكمله بدرجات متفاوتة .
طيلة السنوات المريرة الماضية تمكنت الولايات المتحدة من تحديث وتطوير أداة ( الضحك على الذقون ) كسلاح زئبقي غير منظور خارق للطبقات والأزمان ، تمكنت مثلا من الضحك على الإسلام والمسلمين والعالم كله في أحداث 11 أيلول وإلصاق خدعة الإرهاب والإرهابيين على الذقن الاسلامية وصدقها العالم وصدقها المسلمون أنفسهم ، تمكنت خلال سنوات بعدها من الضحك على العالم بخديعة كورونا وخديعة الحرب الروسية -الأوكرانية وكما هي العادة صدقها العالم وجرى وراءها و ركع حسب إملاءاتها ، أحيانا يتطلب تمرير عملية الضحك على الذقون بناء سلطة أو مدينة أو إنشاء كيانات كاملة كي تتكامل عملية التدليس تماما كما تقوم هوليوود ببناء مدينة كاملة من اجل فيلم او مقلب ، أما اليوم في العدوان على غزة فتريد الولايات المتحدة وحلف الأحزاب معها استخدام هذه الأداة لتكون بمثابة الابتكارالسياسي الأشد فتكا وتأثيرا والذي يتفوق على سائر أسلحتها الأخرى لأن العدوان على غزة فشل وفضحهم وكشف حقارتهم وانحطاطهم وليس من الممكن شن الحرب على كل العالم فلذلك يجب تفعيل هذا السلاح بقوة ، سلاح الضحك على الذقون يتحول اليوم إلى السلاح الناعم الذي ينسف الوعي ويمسح التاريخ ويحقن الوهم في العقول .
تتألف عملية الضحك على الذقون من مجموعة مكونات لا تكتمل بدونها حيث يتوجب أولا وجود صاحب حق والذي يمثل المستهدف من عملية الخداع والمرواغة و يتم تسكين هذا الاستحقاق من خلال طُعم مناسب مرواغ ومطاطي وفضفاض الى الدرجة اللامحدودة وهذا هو المكون الثاني ، الطعم عادة خدعة او فكرة سرابية مغرية يتم تزيينها ووضع المبهجات حولها لتبدو مكسبا عظيما فيما هي في الحقيقة وهم وسراب ، وأخيرا وحتى يكتمل الفيلم لا بد من وجود دعاة أو معززين ، مطبلين وإعلاميين ومستشارين ووسطاء ومفاوضين مدفوع لهم أو مغرر بهم يروجون للفكرة لإقناع الضحية بها وبجدواها ، وأخيرا لا بد من اكتمال الضحك على الذقون بالمكون الأهم على الإطلاق وهو الضحك بحد ذاته بحفلة ضاحكة وساخرة واجتماعات احتفالية عقب ابتلاع الضحية للطعم وسيرها في مركب الحمقى والخديعة وقد تكون الضحية ضمن فريق المشاركين في حفلة الضحك الختامية.
سلاح الضحك على الذقون يأتي بمقاسات مختلفة وعيارات متنوعة مثله مثل قياسات وعيارات قذائف المدفعية وحمولات الصواريخ الفتاكة ويترواح القياس من عيار 9 ملم للأفراد إلى مقاسات عملاقة تصل الى الامتار ، مهما كان عيار مقذوفات الضحك على الذقون فالأهداف واضحة وبسيطة وهي نفسها كل مرة منذ الأزل .
قبل صدور قرار محكمة العدل تسود أجواء حماسية غريبة يشارك فيها أعزاؤنا الأوروبيون في التهليس والتدليس والضحك ويعقدون اجتماعا في بروكسل ضمن هامش وزراء الخارجية ليخرجوا بقذيفة ضحك على الذقون من عيار 100 ملمتر والتي تتلخص في (خطة سلام ) أو مبادرة سلام فــذة مؤلفة من 12 بندا مفللة بالضحك ويدعون إلى ( مؤتمر تحضيري للسلام ) يشترك في صناعته العرب والغرب ، السؤال هنا اذا كنا نريد عمل مؤتمر (تحضيري للسلام ) فماذا كنا نفعل طيلة سبعين أو خمسين سنة مضت مثلا ؟ الصديق الممل بوريل يدلي بتصريح ناري فيه ضحك على الذقون من عيار 120 ملمتر حيث يقول : مفاوضات “حل الدولتين” ستتواصل شاءت إسرائيل أم أبت والأولوية وقف قتل المدنيين بغزة ! نعم شكرا جزيلا سيد بوريل ، شكرا جزيلا أيها الأوروبيون يمكنكم بعد هذه التصريحات وانتهاء البث المواربة خلف طاولة أو منصة الحديث والضحك والقهقهة حتى السقوط على الأرض من سذاجة العرب وزعمائهم والعالم وكل من يصدقكم وبمعية وزراء خارجية العرب أيضا الذين لا يعرفون لماذا يضحكون .
القذيفة الأكبر على الإطلاق في مجال الضحك على الذقون والتي تقف مثل الخازوق لكل العرب هي أكذوبة حل الدولتين وتوابعها الرائعة والتي يعزف عليها ويتحضر لها عراب الضحك الكبير السيد الرئيس بايدن حيث أن الخدعة وملحقاتها تبدو مغرية جدا وجذابة للغاية لفريق التطبيل والتهليل والتنسيق والتخويت السياسي العربي والفلسطيني تحديدا ، ليس هذا فحسب بل هي للضحك على ذقن الثورة العالمية وكذلك الثورة الأمريكية الداخلية ضد بايدن وسياساته ، تعتبر هذه الكذبة قذيفة ضحك على الذقون من المقياس العالي لأن مفعولها فعال منذ سبعين سنة ولا زال فاعلا بجدارة إلى الحد الذي يمكن للسيد بايدن او جون كيري أو بلينكن مثلا أن يرسل المقطع الذي يتحدث فيه عن حل الدولتين الى جماعة الكابينت عبر واتس اب ويقول ضاحكا وعيونه تدمع : انظر إلي يا بيبي كم كنت بارعا في الكذب أثناء حديثي ! بالله عليك ألست مقنعا حتى لك ؟ هل رأيت وجوههم وهم يطربون على أكاذيبي ؟
نتمنى ونرجو ونأمل ألا تكون قرارات محكمة العدل ذات الحواف الملساء مجرد عملية ضحك على الذقون ، نتمنى أن تكون حقيقة لا يُراد من ورائها أجندات كارثية وبالية على الشعب الفلسطيني وسرقة انتصارات وثبات المقاومة الفلسطينية ، إن الولايات لا تخلق فقط ذرائع خلق الحروب بل تخلق أيضا ذرائع الضغط لإيقافها من حيث لا أحد ينتبه وليس من السهل تحييد هذه الفكرة الملعونة .
حيال فكرة الضحك على الذقون الاسطورية والمعتمدة كنهج دولي وعالمي في العالم الأمريكي الذي يغشاه الزيف والفبركة والتمويه والاحتيال على الشعوب تقف فكرة مضادة اسمها الصدق والشرف والنزاهة والتي جاءت من صلب العقيدة الإسلامية التي تتبناها المقاومة الفلسطينية ومحور المقاومة العربي اليمني واللبناني ، فكرة ناصعة الإضاءة في سماء العالم قدمتها المقاومة الفلسطينية في كل أفعالها منذ احتجاز الأسرى او اطلاق سراحهم أو عمليات البحر الأحمر أو الشمال الفلسطيني ،عنوانها الصدق مع الشعوب العربية التي تقف معها بالمطلق في كل خطة وفعل تقوم بتنفيذه .
لقد انتهت مرحلة الضحك على الشعب الفلسطيني ومرحلة القيادة المزيفة التي مارست بمعية العدو الضحك على شعبها واستمرت في الضحك منذ نكسة اوسلو ، انتهت مرحلة التهليس والضحك خلف الجدران وتقديم الحلول والمماطلات إلى ما شاء الله ، لقد جاءت الان القيادة الحقيقة للشعب الفلسطيني التي قدمت أوراق اعتمادها الحقيقية الصادقة موقعة بالدم والثبات وقبلها الشعب الفلسطيني وشعوب العرب وكل شعوب العالم ، هذه هي القيادة التي نأتمنها على مستقبلنا وشعبنا وقضيتنا وحقوقنا ، لقد انتهت مرحلة انصاف الحلول وجرعات المخدر والعيش على المساعدات ووعود إعادة الإعمار ولعبة الثلاث ورقات ، لقد شبع الشعب الفلسطيني من كذب هذا العالم وخداعه واستمرائه الضحك على ذوقوننا طيلة سبعين عاما من الألم والعذاب والامتهان على بوابات العرب ومطاراتهم وتسول مساعداتهم .
لقد برهنت أيها المقاتل المصنوع من نار بأنك اخترقت حاجز النحاس ودخلت سدرة المنتهى وبلغت درجة الخلود في وعينا ووعي العالم القادم ، لقد صمدت بما لا تحتمل الجبال وخضت أكبر معركة رسمها التاريخ مع المجرمين من الطراز الأول ، كل شعوب الأرض تحبك ، نحن نحبك حتى السماء وسعة البحر ، لقد كسرت كل جبروتهم وحطمت صنم هيبتهم ومسحت وجوههم بالطين المنقوع بالدم ، لقد اخترقت طموحاتنا وصعدت فوق أحلامنا يا سيد النار الخالد في أرض الخلود ، يا أيها المقيم في بلاد الشجرة المقدسة والزيت الذي يضيء ولو لم تمسسه النار لا تسمح لهم بخداعك ولا خداعنا مرة أخرى وتنبه جيدا حيث تضع قدمك .
ستنتهي معركة غزة انتهاءا سياسيا وعسكريا بظفر مؤزر لهؤلاء الأبطال الذين دافعوا عن كرامة وشرف هذه الأمة طيلة شهورأربع من الجحيم والموت الزؤام ، المرحلاة الحالية التابعة ستشهد أكبر محاولة للضحك على ذقن الشعب افلسطيني وقياداته الحقيقة للدخول مرة أخرى في متاهة الهدن واعادة الاعمار واكذوبة الدولتين ، لكننا نثق بهذه القيادة ونراهن على ثباتها كما ثبتت في المعركة الكبرى.
*كاتب فلسطيني
ياحارس البلاد المقدسة..!!
