اليمن الحر الأخباري

قتل الشهود.. حرب الإبادة الإعلامية!

علي الزعتري*
نقلاً عن قناة الميادين، التي وثقت هذا الخبر، عندما احترقت كنيسة نوتردام في باريس عام ٢٠١٩ كان نصيبها من المقالات الإعلامية حوالي ٧٦ ألف مقالة. وفي عام ٢٠٢٤ حين دمرت الصهيونية المسجد العمري الكبير في غزة كان نصيب هذا المسجد حوالي ٦٠٠ مقالة فقط. المسجد العُمَري لا يستحق من العرب والمسلمين المزيد، ولماذا يستحق وصاحبه الأقصى تدوسهُ السنابك الصهيونية كل يوم ونصيبه خبرٌ عابرٌ بين “استقبل وودع” صاحب العصمة ولي الأمر؟ حروب غزة كثيرة وأفدحها حروب التجهيل والتضليل والكذب والتلفيق الذي تمارسه بدون حياء ليس فقط الصهيونية بل حتى بعض العرب في بعض وسائلهم الإعلامية لأن الغرض ليس فقط تعمية القتل بل الاختلال بالمفهوم أن لنا عدواً، فهم يريدون منا الانحناء للعدو جبراً وطوعاً. أن ينفي جون كيربي من واشنطن وجود ضحايا مدنيين في غزة فهو اللامعقول في عالمٍ يضج بالأخبار عن المذبحة استنكاراً أو نفياً، لكنه له مصلحةٌ صهيونية لتبييض سجل أسياده المتحكمين ولهذا هو يكذب. وأن تقول نانسي پيلوسي أن المتظاهرين المطالبين بوقف إطلاق النار في غزة هم من أتباع دونالد ترمپ فهو القول الأفضح في حرب الانتخابات القادمة. وربما سيقولون أن الفلسطينيين هم وراء أزمة ولاية تكساس مع الحدود والفيدرالية! و لكن، ما مصلحة عربي من الإعلاميين، أو الناصحين، لكي يلتقي بمسؤولٍ صهيوني ويسمع منه الكذب ويشكره على اللقاء بينما يغرس سكاكين الشك في قلب شخصيةٍ فلسطينية عُرِفت بالحنكة والوطنية؟ أو أن يذيعَ الناصحُ الواعظُ الهاذي أمام جالسين نصيحةً هي فتوى لتهزم المقاومة ومن يناصرها وتلعن من يؤيدها لخروجهم عن طاعة ولي الأمر؟ كلهم في الكذب إخوة. فلسطين لهم مذنبة إن قاومت وإن ماتت. لم يشهد تاريخ العرب منذ خلقهم الله تخاذلاً عن نُصرةِ حقهم كما اليوم. العرب الذين خاضوا حرباً لأربعين سنةً من أجل بعير يتقاتلون اليوم لوأد فلسطين بالأخلاق الأممية والمبادئ الفاشلة. دماء الشهداء تنسدلُ من شفاههم التي تتكلم عن السلام وتتباكى على المجزرة بينما تسكت جيوشهم عن نصرة المذبوحين.
حرب الإبادة الإعلامية تترافق مع الرصاصة والقنبلة، وليست قصراً على غزة، فهي تستخدم في باقي فلسطين وفي لبنان وسوريا واليمن. علينا أن لا نشيح بوجوهنا عنهم ونقفز عنهم حين الدعاء لغزة، كما يفعل البعض. هم أيضاً مسلمون ويستشهدون. وإن أردتم أيها الواعظون مقاومةً طاهرةً من كل مثلبةٍ مذهبيةٍ تتخيلونها فتفضلوا أيها العرب والمسلمون السنة وحاربوا ولا تتركوا المقاوم الفلسطيني يستند للدعم من أعدائكم في حزب الله وصنعاء والعراق وإيران. لكنكم لا تفعلون فلا أنتم رحمتم المقاوم ولا أردتم أن تسانده رحمة غيركم وتركتم الباب الواسع لتذييل تاريخكم ومستقبلكم بكرامة المقاومة لغيركم. فإن كان أحفاد ونستون تشرشل هم أصدقائكم الذين تثقون بهم فهو قد قال أنه مستعدٌ للتحالف مع الشيطان إن كان الشيطان ستالين هو الذي سيرفع عن بلاده الهجوم الألماني. فتحالفوا أنتم مع من تقولون أنهم الشياطين وارفعوا عن البلاد هذا البلاء ثم ارفعوا الحائط الحديدي مع من تريدون منهم! لكنكم يا عرب تفهمون العدو على مقاييس عقيدة التخاذل ولذلك صاحبتكم الصهيونية وعدوتكم المقاومة. هكذا تراكم الشعوب.
وبينما تتهافت التصريحات العربية فإن الحرب تستمر وها هي الصهيونية وأذنابها في لندن وأوتاوا وواشنطن وكانبيرا وبيرن وهيلسينكي وڤيينا وطوكيو وبرلين وستوكهولم، حُماةَ الحريات والحقوق، وغيرهم، الذين لم يلقوا بالاً لطلبات محكمة العدل الدولية، يستشرسون ضد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأنروا باتهام بضع عشر من موظفيها الاشتراك في ٧ أكتوبر المجيد مما قاد مفوضها فيليب لازاريني لفصل الحي منهم من العمل حتى قبل التحقيق الذي يطلبه قانون الأمم المتحدة. قيل أنه فعل هذا ليستبق الغضبة الآتية ضد الأنروا لكنه أخطأ فقد قامت هذه العواصم وغيرها بتجميد مخصصات الأنروا التي استشهد أكثر من ١٤٠ من عامليها على يد الصهيونية في حرب الإبادة قبل التحقيق واستناداً للوثيقة الصهيونية فقط والأمم المتحدة تقول أنها لم ترَ هذه الوثيقة بعد! رافق ذلك تصريح وزير الخارجية الصهيونية أنه ليس للأنروا من دور في غزة بعد الانتهاء من الحرب ومؤتمراً صهيونياً لدفع الاستيطان إلى غزة وتصريح النتن أن لا وقف للحرب ولا عودة للغزيين لشمال غزة. حرب الصهيونية لإبادة الفلسطينيين تقتضي منهم إبادة من يساعدهم ولأن الأنروا بالداخل فإنها على إطلاعٍ جلِّيٍّ بغزة والمذبحة مما يعني أنها شاهدَ عيان يقدم تقريره للعالم. اطمس سمعة الشاهد وأطرحهُ بعيداً يحلو لك الجو ويخلو. هكذا هي حرب الصهيونية التي قتلت من الإعلاميين الفلسطينيين في غزة لوحدها ١٢٢ لكي تخيف غيرهم وتطفئ عدساتهم، وبعضهم استشهد مع عائلاتهم، وتريد أن تقتل الأنروا وستقتل غيرهم وغيرها. هذه هي حرب التزييف والتدليس والترهيب والخنق المدعومة من صديق العرب الصهيوني في كل عاصمةٍ ديموقراطية.
هل نريد مزيداً من الأدلة؟ سيبدو لو طلبنا المزيد أننا نعيد اختراع العجلة أو ندق الماء بالهاون. كل الأدلة منذ نهاية القرن التاسع عشر و لليوم وللغد تكفي للعاقل. مؤامرةٌ يهوديةٌ صهيونيةٌ، أفلا نفهمها؟ إذاً ما قيمة كلام وزراء الخارجية العرب عن حل الدولتين الذي تعتبره الصهيونية أرخص من منديلٍ ورقي مستخدم؟ ما قيمة احترامنا للقانون الدولي الإنساني والدم وصلَ للركب؟ ما قيمتنا نحن هو السؤال الدائر بالرؤوس كل لحظة؟ نحتفظ بسراب الشجاعة فقط حين نذكر الحروب الغابرة منذ صلاح الدين وبيبرس وقطز. ما قيمة قرارٍ لجامعةٍ عربيةٍ ولمحكمةٍ دولية وجمعيةٍ عمومية لم توقف ولن توقف الصهاينة؟ تنديدٌ ومطالبةٌ وشجبٌ ثم يقوم مأفونٌ صهيونيٌّ ومأفونةٌ بمسحها وكل نظريات العرب السلامية ومسح البيوت وأصحابها؟ يا حسرةً على العرب من المحيط للخليج فهم اليوم الهباء المنثور والرماد المحروق والضجيج الفارغ، إلا من رحمهُ الله منهم بالجهاد والاستشهاد.
*كاتب اردني ودبلوماسي أُممي سابق

Exit mobile version