اسيا العتروس*
لا شيء في غزة غير اخبار الموت الزاحف، أو الانتظار أن يجرف الموت البطيء بسبب الجوع او تلوث الماء او غياب الدواء الاف الاجساد المنهكة التي لم تعد قادرة على التحمل … اطفال تحولوا الى هياكل عظمية و انطفأوا تحت انظار امهات عاجزات عن توفير ما يسد الرمق ويحفظ الحياة ..حتى الامس بلغ عدد الموتى جوعا من الاطفال ثلاث و عشرون ولا احد يدري ا يمكن ان تسجله الساعات الفاصلة بين كتابة و نشر هذه الفقرات.. أما حصيلة الضحايا منذ بداية العدوان وهي طبعا حصيلة موقتة فهي تقترب بعجلة من عتبة الواحد والثلاثين ألف ضحية وان اعتبار للمفقودين تحت الانقاض و لنحو مائة الف مصاب لا يجدون الرعاية أو لعلاج …
-الموت جوعا أمام الكاميرا
صورة الطفل يزن الكفارنة و قبلها جنى قديح ماتواجوعا و لم يتحرك العالم لانتشالهم مما هم فيه , بعض الامهات عمدن الى ربط حجر على بطون اطفاهن لطرد الجوع …هذا حال غزة على بعد ساعات من حلول شهر رمضان بين مأساة و أخرى يستمر عداد الموت في ارتفاعه الجنوني و يستمر في المقابل صمت العالم …العلاج الوحيد المتوفر في غزة و لكنه غير قابل للصرف في ارصدة البنوك الدولية وانظمة البترودولار هو الصبر و مزيد الصبر و لو كتب للنبي ايوب ان يعود لاستحى من شكواه أمام بلغ به حال نساء غزة واطفالها وشيوخها و مرضاها و كل ما فيها بعد أن بلغ الاحتلال الاسرائيلي من التوحش درجة لم تعد الكلمات قادرة على نقلها و معها بلغ تواطؤ و عجز العالم ايضا درجة غير مسبوقة من الانصياع وراء تتار العصر الذي تجاوز بشاعات النازية والفاشية … وفيما يحصد كيان الاحتلال مزيد السلاح العابر للحدود من مختلف مصانع الغرب يواصل الفلسطينيون احصاء ضحاياهم يضاف الى اسباب الموت سبب اخر بعد ان تسببت صناديق المساعدات المسقطة عشوائيا في قتل خمسة فلسطينيين كانوا ينتظرون بعض الطعام ..و هذا طبعا دون ان ننسى المجازر التي اقترفها جيش الاحتلال عندما فتح النار على حشود الجوعى الذين انتظروا طوال الليل للحصول على الغذاء ليختلط الطحين و الحليب بالدم …
-كل يوم يمضي دون ايقاف الحرب يعني مزيد المجازر
الحقيقة الوحيدة الواضحة في غزة ان هناك شعب يباد على بكرة ابيه و ان كل يوم يمضي دون ايقاف الحرب يعني امتداد حصيلة الضحايا في هذه المجزرة المفتوحة التي تجاوزت بشهادة كل العالم و تحديدا من الهيات الدولية كل الحروب الكونية السابقة في حجم الخراب و الدمار و القتل الممنهج و نزع انسانية الانسان ما يحدث في غزة كشف ابشع ما في هذا النظام الدولي الذي فقد كل مقوماته بعد أن تاهت كل الاهداف التي تأسس لأجلها و التي باتت اليوم مجرد سراب و خطاب هلامي يتردد في اروقة المؤسسات الدولية دون قرارات حاسمة .. اذ و برغم الاجماع على ان حجم الكارثة في غزة غير مسبوقة و رغم كل التقارير التي فضحت جرائم احتلال و ممارساته و رغم كل الاصوات التي نددت و استنكرت و انتقدت و اتهمت كيان احتلال فان النتيجة واضحة للعيان وهي اننا ازاء قوة احتلال و غطرسة تجد لها في دعم و حصن الحليف الامريكي ما يدفعها الى الدوس كل يوم اكثر على الشعب الفلسطيني من غزة الى الضفة بل و على كل الدول و الحكومات العربية والاسلامية التي لم تستطع اغاثة اهالي غزة او كسر الحصار المفروض على القطاع و اتي انساقت بدورها الى عمليات اسقاط جوي للمساعدات وشرعنة لخيارات الاحتلال في اذلال و انهاك و سلب الفلسطيني انانيته و دفع الى اللهث وراء مساعدات غذائية كان ثمنها باهضا جدا حينما ستهدف رصاص الاحتلال الجائعين و هم يلاحقون رغيف الخبز الملوث بدم الاطفال …
-طيور الخير ..و خيبة العرب
لا نعرف صراحة كيف و من أين اطلق هذا الوصف على عمليات الانزال للمساعدات الغذائية التي انزلتها طائرات مصرية و اخرى اماراتية على اهالي غزة , ولكن ما نعرف أنه وصف لا يتناسب في شيء مع حجم الكارثة و هذا التردد و التأخر في اغاثة غزة و منع فتح المعابر التي تمنح اسرائيل أن تكون معبرا للمساعدات الى غزة التي فقدت كل مقومات الحياة و عادت الى الحياة البدائية و بات اهلها ينامون في العراء أو تحت خيمة ان امكن الحصول عليها و يقتاتون من الاعشاب أو علف الحيوانات ان توفر و يطبخون خبزهم على الحطب.. الحقيقة أن اطلاق شعار “طيور الخير ” لدعم سكان غزة على أنه عوان للتضامن العربي والإنساني لمساعدة الشعب الفلسطيني في ظل الظروف الحرجة التي يواجهونها. هو في الواقع محاولة لتبييض الوجه و تجنب الانتقادات و الاحراجات مع امتداد الوقفات و المظاهرات الاحتجاجية الى كل العالم خاصة بعد تواتر الانباء عن جسر جوي يزود كيان الاحتلال باحتياجاته الغذائية و لم نسمع تكذيبا رسميا في هذا الشأن , و هي أيضا محاولة لا تغيب على ملاحظ لاستباق الخطوة التي اعلنها الرئيس الامريكي لاقامة مرفأ بحري لايصال المساعدات اى غزة انطلاقا م اليونان و هو يعلن بدوره و نقصد الرئيس الامريكي فشله الذريع امام حليفه نتنياهو وقبوله ان يكون شريحا في الجريمة ..و اللجوء الى هذا الخيار امعان في انكار حق الفلسطينيين في الحياة , و معلوم أن غزة مدينة بحرية و كان يمكن أن تكون مرفأ للمبادلات التجارية و ان تكون رئة غزة و متنفسها نحو العالم و لكن الاحتلال ظل يحاصر غزة برا و جوا و بحرا …و اللجوء الى هذا الخيار اليوم يتنزل في ميزان الحسابات الانتخابية للرئيس بايدن ولأهون الشرين بالنظر الى حجم الانتقادات التي تلاحقه حيث بات يقاطع من طرف الغابيين و المحتجين حيثما توجه وقد اضطر الى تأخير خطابه اول امس حول حالة الاتحاد اكثر مخمسة عشرة دقيقة لان المحتجين ملأوا الشوارع و منعوا موكبه من العبور …و في كل الحالات فان اللجوء الى هذا الحل لا يخفي مهانة الموقف العربي الذي يفتقر لاي تأثير او قدرة على تغيير الاحداث , قد كان بامكان هذه الدول و غيرها ايضا و بتوخي الحد الادنى من التضامن العربي و الدولي و الدعم السياسي و الديبلوماسي و الشعبي مندل اوروبية و افريقية و امريكا اللاتينية و حتى الشمالية ان تخرج بالحد الادنى من الكرامة بالاعتماد على القانون الانساني الدولي و الارادة الشعبية للراي العام الدول أن تفتح المعابر الى غزة و ان تمنع وقوع المذابح اليومية و ان تمارس الضغط المطلوب الذي كان يمكن ان يفرمل الاحتلال او يوجه له رسائل تحذيرية بانه لا يمكن التمادي في قتل الفلسطينيين …
-غزة على ابواب رمضان…يا صبر ايوب
على وقع ما سبق و ما خف كان اعظم و الاكيد ان ما يأتينا من صور عن مأساة غزة لا يرتقي الى ما وجاع و الام كل اهالي القطاع الذين يصح القول بانهم يتساوون في انتظار الموت بعد ان تقطعت بهم السبل …الرئيس الامريكي بادن و بعد ان اعلن امكانية توقف الحرب قبل رمضان عاد و تراجع معلنا ان الامر صعب ..و الحقيقة انها ليست المرة الاولى التي يتراجع او يتنصل فيها بايدن من تصريحات سابقة لانه و بكل بساطة شريك في اللعبة و يعتبر انه لا يمكن السماح بإيقاف الحرب في هذه المرحلة لان في ذلك سيضعف صورة ناتنياهو ومعه صورة جيش الاحتلال الذي تكبد صفعة غير مسبوقة في السابع من اكتوبر الماضي و هي صفع مشتركة باعتبار ان المؤسسة العسكرية الاسرائيلية من تمويل و دعم المؤسسة الامريكية بالدرجة الاولى ..و في صمود المقاومة حتى الان و عدم القاءها المنديل بعد 15 يوما من الحرب و استمرارها في مواجهة كل القوى التي انضمت لكيان الاحتلال في هذه الحرب الكونية على غزة ما يفسر ايضا سبب عدم قبول ادارة بايدن ايقاف الحرب و استعمال حق الفيتو اربع مرات لانقاذ اسرائيل …
-سياسة الأرض المحروقة في غزة
لا لاف ان ما يقوم به الاحتلال في غزة يتنزل في اطار سياسة الارض الحروقة و بعد خمسة اشهر من القصف تحولت غزة الى اثر بعد عين , و ما تنقله صور الأقمار الاصطناعية على جميع مدن قطاع غزة، يؤكد استعمال الاحتلال اسلحة مدمرة وربما يتم اختبارها لأول مرة في غزة ..ما حدث في غزة استهداف لكل مقومات الحياة من احياء سكنية ومدارس و مستشفيات و جامعات و مساجد وكنائس وكل ا يمكن ان يجمع الذاكرة الانسانية و التاريخية للقطاع ..و من هنا ايضا الاصرار على استهداف الاونروا و الحملات الشرسة لالغاء وجودها و التنصل من دورها التاريخي في تقديم الخدمات المصيرية و ارتباطها بقرار العودة الذي الكابوس الذي يزعج الاحتلال …
الحقيقة التي لا تقبل التشكيك ان عمليات انزال المساعدات دليل على العجز عن مواجهة التعنت الإسرائيلي …والاكيد ان كل ما يحد ايضا يتضمن إصرارا على استهداف انسانية الانسان و كسر الارادة الفلسطينية و تثبيت ثقافة الانقام ومن هنا ايضا الاصرار على استهداف المرأة الفلسطينية عنوان لتكاثر والصمود والثبات والمعركة الديموغرافية و لكن ايضا عنوان البقاء و الاختلاط بتراب الارض التي ترفض التخلي عنها و من هنا ايضا الاصرار على استهداف الاطفال جيش المستقبل و الطريق الى مواصلة المعركة المتوارثة عبر الاجيال ..
في خضم هذه القتامة وهذه الغطرسة الاسرائيلية باتت عض القوى تشكك تسأله وتستخلص الحقائق و بعد كندا التي اعلنت انها ستواصل دعم الاونروا اعلنت مس السويد إنها ستستأنف المدفوعات المعلقة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين و في ذلك اشارة على عدم صمود السردية الاسرائيلية و قناعتنا انه كلما ازدد الاحتلال توحشا و كلما افتضح امام العالم كلما راجعت القوى الدولية مواقفها و سياساتها ان لم يكن انتصارا للقانون الدولي المغيب فسيكون رضوخا للضغط الشعبي وللاحزاب اليسارية الداعمة لغزة في جريمة الابادة التي لا يمكن لاي كان انكارها امام الحجم الهائل من الشهادات و الوثائق التي توفرت اليوم للعدل الدولية وقبل ذلك للمحكمة الانسانية الشعبية التي وقفت شعوب العام على فظاعاتها وانتهاكاتها غير المسبوقة في تاريخ البشرية …
– و للحديث بقية
في العدوان على غزة يتداخل التاريخ بالجغرافيا و يتداخل الحق بالباطل و لكن الاكيد ان غزة حلقة من حلقات معركة طويلة و معقدة ..و هي نكبة بكل المعايير ومحطة مصيرية حاسمة في مسار القضية الفلسطينية التي تتأرجح اليوم بين خيارين لا ثالث لهما فأما نكبة ثالثة تكون ام النكبات و اما فرصة لا يمكن التفريط فيها تقود نحو الدولة الفلسطينية و تعزيز اسباب الانتصار لها بين اطراف محكمة الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث الاجماع على حق الحق و على انه الحل الوحيد لتجنب مزيد اغرق في الحروب و الصراعات و هو حل سيتعين على كل الفلسطينيين ولا نقول الفصائل الانتباه له و التوجه جديا الى تفادي الفخ القديم الجديد وسياسة التقسيم تصنيف الفلسطينيين …فالمعركة اليوم لا تحتمل هذه التصنيفات.
ولا تحتمل تكرر واجترار نفس الاخطاء والتعويل على العرب لن ينفع الفلسطينيين في شيء وقد رأوا بأعينهم عجزهم وقلة حيلتهم ي الاستجابة لاستغاثة الافواه الجائعة في غزة …
اخيرا و ليس اخرا سيعين ان يتذكر الجميع و في مقدمتهم اصحاب القضية أن 67 كلمة وجّهها اللورد بلفور عام 1917 وزير الخارجية حينها إلى ليونيل روتشيلد، بريطاني صهيوني، يدعم فيها «إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين». وهي الوثيقة التي ساهمت في قيام كيان الاحتلال الاسرائيلي و تهجير و تشريد الاف الفلسطينيين في نكبة 1948…ايقاف العدوان ا الاولويات و ترتيب البيت و استعادة غزة من فك الاحتلال تبقى أم الاختبارات و أعقدها …
*كاتبة تونسية
الذخيرة لاسرائيل وللفلسطينيين غذاء قاتل!
