صالح القزويني*
أسخف ما أسمعه وأشاهده وأقرأه حول الصراع بين إيران وإسرائيل هي المقولة، ان ايران ليست عدوة لإسرائيل ولا تحاربها ولا تتصدى لها بل هناك علاقة وثيقة بينهما، والحديث عن الصراع مجرد مسرحية من أجل السيطرة على المنطقة والتدخل في شؤونها.
ثلاث فئات تتبنى هذه المقولة، الفئة الأولى هي التي ليس لديها اطلاع عن حقيقة وبواطن الأمور وانما تتأثر بالظاهر وما يقوله هذا الخبير والمحلل السياسي والمسؤول أو ذاك.
الفئة الثانية، هي التي لديها موقف سلبي من ايران ولا تصدق اية ايجابية تصدر من ايران أو حولها.
الفئة الثالثة، هي التي تعلم أن الصراع حقيقي ومحتدم بين ايران واسرائيل ولكن مصالحها أو المنظومة التي تنتمي إليها سواء كانت إعلامية أو سياسية أو دينية وطائفية تفرض عليها عدم الاعتراف بهذه الحقيقة، فإما انها تنتمي لحكومة أو تيار سياسي ليس من مصلحته إظهار إيران على انها عدوة لإسرائيل لأن إظهار ذلك يعني إثارة الشكوك حول موقف هذا التيار والحكومة من اسرائيل.
أو أن تكون الدوافع وراء التشكيك بعداء إيران لاسرائيل طائفية، فمن لديه نزعة وتطرف طائفي يرفض الاقرار بعداء ايران لاسرائيل لأنه يعتبر أن الاقرار بذلك سيمنح ايران مكسبا طائفيا باعتبارها تتبنى المذهب الشيعي.
أو أن تكون الدوافع إعلامية والقائمون على المشروع الاعلامي والذي من المؤكد أن لديهم سياسية تقتضي مهمتهم التشكيك بسياسات ايران خاصة ضد إسرائيل.
أوردت هذه المقدمة ليس لكي أسرد الأدلة والبراهين على عداء إيران لإسرائيل، فالعداء واضح وجلي للعيان الى درجة لا يحتاج معه الى أدلة وبراهين، ويكفي القول أن جانبا كبيرا من المشاكل التي تعانيها إيران خاصة على الصعيد الاقتصادي وبالتحديد العقوبات المفروضة عليها يعود الى موقفها من إسرائيل لا إلى شيء آخر.
من هنا فانني أوردت هذه المقدمة لأنتقل مباشرة من أسباب ودوافع التشكيك بعداء ايران لإسرائيل إلى طرق محاربة ايران لإسرائيل لأصل الى صلب الموضوع وهو كيف تحارب إسرائيل إيران.
طريقتان تحارب بهما إيران إسرائيل:
الأولى: بشكل مباشر سواء عبر تنفيذ عمليات تفجيرية أو اغتيالات في الداخل الاسرائيلي أو ضد أهداف اسرائيلية في الخارج، أو اطلاق المسيرات والصواريخ من الأراضي السورية، أو حتى الهجمات الالكترونية، ولكن دون أن تتبنى ايران ذلك بشكل رسمي أو غير رسمي.
أو أن تقوم ايران بشكل مباشر بالتحريض الإعلامي أو السياسي أو الدبلوماسي ضد إسرائيل ويتجلى ذلك بشكل واضح في وسائل الاعلام الايرانية وكذلك التحركات السياسية والدبلوماسية لإيران والتي شهدت تكثيفا في الأونة الأخيرة.
الثانية: دعم الأحزاب التي تقاوم إسرائيل، وهذا الدعم لا يقتصر على جانب دون آخر وانما يصل أحيانا إلى الدعم العسكري، والأمر يتوقف على الطرف المدعوم فاذا كان يتبنى المواجهة العسكرية مع إسرائيل فان ايران تدعمه بكل متطلبات المواجهة وقد تجلى ذلك في أحزاب المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركتي حماس والجهاد وكذلك سائر الأحزاب والحركات في سائر الدول وتأتي في مقدمتها حزب الله اللبناني.
أما سائر القوى التي تتبنى معاداة إسرائيل ولكن هذا التبني لا يصل الى المواجهة العسكرية فان ايران تدعمها سياسيا واعلاميا وأحيانا ماليا.
هنا قد وصلنا الى صلب الموضوع، وهو كيف تحارب إسرائيل ايران، خاصة إذا عرفنا ان تل أبيب لا تقف مكتوفي الأيدي تجاه من يتخذ موقفا سلبيا منها أو يرفض التطبيع واقامة العلاقات معها، فما بالكم بمن يقوم بمحاربتها بل ويجاهر بهذه المحاربة ويعلن على رؤوس الأشهاد بانه يريد القضاء على اسرائيل وازالتها من الوجود، ولا يعلن وحسب بل يقوم بخطوات عملية في هذا الاطار، فهل من المعقول أن تسكت وتتغاضى إسرائيل عن ذلك؟
كما ان إيران تحارب إسرائيل بشكل مباشر وغير مباشر كذلك الحال فإن إسرائيل تحارب إيران على صعيدين، العلني وغير العلني، وما عدا التحريض العلني الذي تمارسه تل أبيب ضد طهران سواء من خلال وسائل اعلامها أو تأليب سائر الدول ضد ايران والذي غالبا يسفر عن فرض عقوبات أو قطع العلاقات مع ايران؛ فإن معظم الاجراءات والخطوات التي تقوم بها اسرائيل ضد ايران غير علنية ولا تتبناها ولكن البصمات الإسرائيلية واضحة فيها.
إسرائيل انتقلت في السنوات الأخيرة من المواجهة مع ايران من بُعد وذلك من خلال عمليات الاغتيالات أو التفجيرات أو الهجمات الالكترونية أو دعم المعارضين، إلى الاقتراب من إيران والالتصاق بحدودها، فلكي تكون الاجراءات أكثر تأثيرا على إيران فان الموساد الإسرائيلي نقل عملياته الى الدول المجاورة لإيران، فقام بتأسيس أوكار في كردستان العراق وجمهورية اذربيجان وجنوب شرق باكستان مهمتها الرئيسية هي ادارة الصراع مع ايران عن قرب.
من الواضح أن الموساد يريد محاصرة ايران من جهاتها الأربع شمال وجنوب وشرق وغرب، إلا أن محاولاته في نشر أوكاره في تركيا لتولي عمليات شمال ايران باءت بالفشل بفضل التعاون الاستخباري بين ايران وتركيا، أما الجنوب فان الموساد يبذل مساع كبيرة لاقناع القيادة الاماراتية لبناء أوكار في الامارات لتتولى نشاط جنوب ايران غير أنها لا تزال ترفض ذلك بل أن مستشار الأمن القومي الاماراتي طحنون بن زايد آل نهيان تعهد لإيران خلال زيارته لها بأن لا تسمح بلاده لأي نشاط للموساد ضد ايران.
اذربيجان وضعت قيودا صارمة على نشاط الموساد ضد ايران بعد تحشيد ايران قواتها على الحدود الاذربيجانية والذي تزامن هذا التحشيد مع الهجمات التي شنتها اذربيجان ضد ارمينيا والتي انتهت بسيطرة اذربيجان على كاراباخ ولكن ليس من الواضح الى متى ستقاوم باكو الضغوط الاسرائيلية بفسح المجال للنشاط ضد ايران.
تبقى كردستان العراق وباكستان، فلا يبدو أن الموساد مستعد للتخلي عن دعم المعارضين الايرانيين في منطقة بلوشستان الذين ينطلقون من الأراضي الباكستانية لتنفيذ عملياتهم داخل ايران، ولا التخلي عن أوكاره في كردستان العراق التي تدعم وتنظم نشاط المعارضين الإيرانيين الأكراد الذين يقيمون في كردستان.
وهنا تجدر الاشار إلى أن نشاط الموساد في باكستان وكردستان ليس بالضرورة أن يكون بالتنسيق مع السلطات الحاكمة، غير أن هذه السلطات ربما لا تعير أهمية لهذا النشاط بأعتباره لا يتعرض للوضع في باكستان أو كردستان العراق.
إيران تأمل بانهاء نشاط الموساد الاسرائيلي في كردستان العراق وباكستان وعندما وصلت الى قناعة أن مجرد دعوة العراقيين والباكستانيين الى انهاء نشاط الموساد قامت بقصف بعض المواقع في باكستان وشمال العراق على أمل فتح هذا الملف والتوصل إلى اتفاق بشأنه، وبالفعل جرت مباحثات بين ايران من جانب والعراق وباكستان من جانب، قللت بشكل كبير العمليات العسكرية التي تنفذها المعارضتين الكردية والبلوشية ضد ايران، ولكن طهران تأمل انهاء هذا النشاط بالكامل.
*باحث في الشأن السياسي
