اليمن الحر الأخباري

دفاعًا عن المعتصمين والمتظاهرين!

خالد عياصرة*
ما يجري في الأردن ومحافظاته من اعتصامات ومظاهرات للتعبير عن وقوفه مع غزة وأهلها – فلسطين – ليس محصورا بالشعب الأردني فقط وليس مفاجئاً لا شعبيا ولا رسمياً، كلاهما اعتاد على الآخر، وكلاهما يملك القدرة على التعامل مع ما يجري، كما أن هذا الخيار – الاعتصام والتظاهر – خيار عالمي.
الدولة تعي ذلك جيداً، لكنها لا تضع رأسها في الرمال، المواطن يعي ذلك ويريد من الدولة التنبه اللحظة الفارقة في تاريخ المنطقة لاستعادة أدوار تمكنها من الحركة، كما تمكنها من بناء استراتيجية بقاء لا خيارات فناء محدودة يمكن القفز عنها.
أهم هذه الخيارات الوهمية التي يحاول بعض سدنة الدولة الترويج لها هو خيار السلام مع العدو، والصراع مع الفلسطيني كمكون أصيل في تشكيل الدولة بعد الحفر في التاريخ لإستعادة احداث ايلول الاسود، الأفعال هذه تأتي مع التناسي اللاوعي للفهم، فالسلام لا يُبنى عليه استراتيجيات مستدامة، وإن كان فهو مرحلي، الهدف منه الإعداد والاستعداد، لا التخاذل والانسحاب.
من يتظاهر في عمان والمحافظات، أجيال شبابية ترفض كل شيء، يشبهون شباب أميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وجنوب أفريقيا والبرازيل وكندا …. جيل ال ” الفا Alpha ” الذي يشارك في صناعة مساراته وخياراته، ينتفض ضد الرأسمالية وأدواتها، يرفض سلطة الشركات ومراكز الدراسات واللوبيات، يرفض أكاذيب الدول والحكومات والايديولوجيا، يرفض أكاذيب الإعلام، يحاول استعادة ” ذاته ” لترتبط في القضايا الإنسانية المصيرية، جيل شبابي عالمي منفتح على بعضه.
ومثله، جيل أردني شبابي لا يجرؤ ولا يملك ” ختايرة ” الحكومة والدولة القدرة على فهم مطالبهم واستيعاب مساراتهم إلا إن جلسوا معهم واستمعوا لخطابهم، جيل لا تملك أجهزة الدولة المعلومات الكافية عنه وعن طريقة تفكيره، وحتى شعاراته وبياناته، جيل يتبنى خطاب ينبع من الوعي الوطني، لا العشائري أو المناطقي او الفئوي والحزبي، خطاب شامل لا حزبي أو تنظيمي كما يحاول بعض سندة الدولة وكتبتها وسمهم، وبتالي إلحاقهم بهذه الجهة أو تلك لشيطنتهم واضعافهم وكأنهم يسعون إلى استنزافهم – الشباب – تمهيداً لأهداف و واستحقاقات ومشاريع قادمة تبقى على مصالحهم.
لا يا سادة، هم أردنيون من كافة الأصول والمنابت، أشجارهم زرعت هنا، أحلامهم هنا، تاريخهم هنا، حاضرهم ومستقبلهم هنا، وهنا تمتد من الخليج إلى الخليج، من أرض محتلة إلى شعوب تريد إنهاء الوصاية الأبدية على أرواحها.
فالذي يتظاهر في الرابية – أحد أحياء العاصمة عمان الراقية – و مسجد الكالوتي، وفي كل المدن والقرى، أردنيون، يحبون الأردن، والذي يجمع التبرعات المالية والعينية في ساكب والطفيلة وجرش والكرك ومعان والزرقاء وعمان وعجلون وإربد والمفرق والعقبة أردنيون، ليسوا أخوان أو بعث أو يمين أو يسار، أردنيون يعرفون جيدًا هوية الشرق وسحره ودحنون الشهداء واسمائهم، يعرفون القضايا المصيرية التي تهدد الاستقرار، يعرفون العدو، يعرفون التاريخ والجغرافيا، يعرفون كل هذا جيداً، وهذه المعرفة لا ترتبط بالتنظيمات السياسية، أو بالصراع على وحول الحكم أو السلطة، شباب لا يرتبطون بالنخب الجبانة، شباب تحركهم أفكارهم الأردنية، نخوتهم الأردنية، تاريخهم الأردني، واعتقاداتهم ومبادئهم وقيمهم الأردنية التي ساهمت الدولة كثيراً في تشكيلها، الدولة التي يحبون ويمدحون فعلها إذ لا يملكون غيرها وطنا ومكان، الدولة التي يكتبون لها شوقا وعتابا في حالات الحزن، يبكون ويضحكون معها، ليعودوا إليها بعد حين، الدولة التي يدعمونها في الأزمات ولا يتركونها، ينتقدونها إن حادت عن المسارات لكنهم لا يقتلونها، لكن ما بال الدولة – اليوم – تسرعت فذهبت لإسقاط ثقافتها بل استثمارها، وكأن المشهد صار اعتقاد جديد يرى العدو صديق، مع انه من ” يهدد الحدود”
ألم يقل الملك ذات خطاب: ” العدو على حدودنا ” كيف صار العدو في عقل الحكومة قائم على التجييش ضد المواطن ليصير عدو في الداخل يجب التخلص منه و شيطنته بواسطة كتاب وإعلاميين لا يتقنون إلا تنفيذ الأوامر وتوزيع الاعجابات ومنهم وزراء تركوا اكوام أعمالهم، بحجة الخوف على الأردن، لكنهم ذهبوا للأسف الى علاج النتائج لا علاج المشكلة !
نعم الجميع يتفهم حرص أجهزة الأمن على استقرار الدولة، والجميع دون استثناء يرون أجهزة الدولة السياسية والأمنية شركاء لا أجراء أو أعداء، والجميع يرى رجل الأمن كأخ – حالات الخروج عن السياق لا يعتد بها، يمكن بدل ذلك النظر إلى دور رجال الأمن الإيجابي في المساعدة والتمهيد لاجواء المظاهرات بكل احتراف – قادر على حماية المظاهرات وتنظيمها كذلك، والمشكل الأساس ليست معهم أو أجهزتهم والأوامر التي توجه لهم، بل المشكل مع الإعلام أساسا، مع الصحفيين والكتاب والوزراء الذين أشعلوا النيران، والذين وزعوا من مقاعدهم الوثيرة الاعجابات والمدح المجاني للخارج مع التفريط الوظيفي فقط لمتابعة صفحات شخصية وكأنها تعمل لديهم أو يعملون لديها، ما عزز التخوف والانقسام وسرع الانتقاد !
الجميع يعي ما يجري وإن لم يقال ويلعن، ويعرف الكثير الضغوط التي تمارس على الدولة، بداية من الإبقاء على الجسر البري ومن يقف خلفه وليس نهاية بالهجمات المضادة التي توجه إلى المرجعيات العليا والقيادات والمؤسسات الأردنية بواسطة الإعلام والكتاب والصحافة الإسرائيلية وحتى الغربية.
وعليه، يا دولة، يا نظام يا معارضة يا شباب يا موالاة، يا رجال ويا النساء، بكافة الافكار والاحلام: استفيدوا مما يجري لتمتين الجبهة الداخلية لا هدمها، دون تخوين، دون تسفيه لاي حراك أو قرار حتى تقوى من الحجة والدور الخارجي.
في النهاية، يحق للأردني التباهي بوطنه دون تجريح، وسياسة دولته دون قدح وذم وتشويه، واستقراره وأمنه، يحق له التباهي بمدح أهل غزة، وجيشه وأجهزته، بوزارته، فما يقومون به، لم تقم به دول كبرى اقتصاديا و ماليا وبشريا، يحق للأردني التباهي بوطنه، كما يحق له الاختلاف فيه لكنه ابدًا لن يختلف عليه.
*كاتب اردني

Exit mobile version