د. صالح القزويني*
لا أدري إن كان هناك من الكتّاب أو الباحثين أو السياسيين قد تطرق لهذا الموضوع أم لا، وأعتقد انه حتى لو تم بحثه فانه بشكل عابر وكما يقال مروا عليه مرور الكرام، بينما يستحق هذا الموضوع تسليط الضوء عليه في كل ساعة وكل يوم لأهميته البالغة.
قبل أن أدخل في صلب الموضوع أود الإشارة إلى أن أقوى وأعتى الجيوش في العالم ستندحر اذا خاضت حرب الشوارع، ولا نريد أن نستدل على ما نقول بالاحداث التاريخية القديمة، وانما مجرد تذكر حرب القوات الروسية في أفغانستان وحرب القوات الأميركية في فيتنام وأفغانستان والعراق والاسرائيلية في لبنان ستوصلنا الى قناعة أن الجيش الاسرائيلي سيندحر في غزة كما اندحرت تلك الجيوش.
لذلك فإن الجيش الإسرائيلي يتصور انه سيحقق الكثير من المكاسب اذا بقي لفترة أطول في غزة، بينما هذا مجرد وهم بل ان خسائره ستتضاعف كلما طال بقاءه في غزة لأن المقاومة ستكتسب المزيد من التجارب وتحاول الحصول على المزيد من الدعم لتسديد ضربات قاصمة للاحتلال.
في يوم 21 ايار من عام 2023 غيرت فصائل محور المقاومة وخاصة تلك التي تخوض الصراع مع الكيان الصهيوني استراتيجيتها العسكرية من الدفاع الى الهجوم، فما قبل هذا التاريخ كانت تتلقى الضربات من الكيان الصهيوني وأحيانا ترد عليها أو لا ترد، ولكن في هذا اليوم اتخذت المقاومة الفلسطينية وخاصة حركة الجهاد الإسلامي قرارا شجاعا بالمبادرة في توجيه الضربات للكيان الصهيوني، وأطلقت على قرارها الشجاع هذا اسم عملية سيف القدس.
الملفت في هذا القرار الشجاع أن المقاومة الفلسطينية أطلقت العديد من التهديدات والتحذيرات للكيان الصهيوني بأنه إن لم يتوقف هو ومستوطنيه عن تدنيس المسجد الأقصى والاعتداء على المصلين، ومحاولات تهجير أهالي الشيخ جراح من منازلهم فإنها ستوجه ضربات قاصمة له، وفي اليوم المذكور نفذت تهديدها وأطلقت المئات من الصواريخ من غزة على المواقع الاستراتيجة وعموم مناطق المستوطنين.
على الرغم من أن الكيان تصرف بوحشية بالغة ضد غزة في اطار رده على الصواريخ التي أطلقتها المقاومة، حيث دمر العشرات من المنازل والمباني إلا انه عجز عن انتزاع استسلام منها حتى تدخلت مصر ووافق الكيان على شروط المقاومة وفي مقدمتها انهاء الحصار عن غزة واعادة اعمار ما تم تدميره والتوقف عن الاعتداء على المسجد الأقصى والمصلين.
المقاومة الفلسطينية لم تتوقف عند هذا الحد بل بادرت بمهاجمة الكيان الصهيوني في عملية طوفان الأقصى التي تعتبر الوليد الشرعي لسيف القدس، فبعد أن نكث الكيان بوعوده وتنصل عن التزاماته التي وقع عليها بعد سيف القدس ردت عليه المقاومة بعملية طوفان الأقصى وكان ردا مزلزلا للكيان في أكثر من بعد وصعيد.
الملفت في الموضوع هو هبة سائر فصائل وأطراف محور المقاومة لتوجيه الضربات للكيان الصهيوني، وفي مقدمة الذين هبوا لنصرة اخوانهم الفلسطينيين، اللبنانيون الذين سددوا ولا يزالون ضربات قاصمة لجنود الاحتلال ثم جاء بعدهم العراقيون واليمنيون، حتى جاء الهجوم الإيراني الذي توج كل الضربات وفاجأ الجميع بالهجوم القاتل.
جميع فصائل وأطراف محور المقاومة هاجمت الكيان الصهيوني أو مصالحه، غير أن ايران بحاجة الى شجاعة كبيرة لتتخذ مثل هذا القرار، كما أن الهجوم الإيراني لم يكن ضربة عابرة وحسب بل إصرار على ايصال الصواريخ الايرانية الى الداخل المحتل وهذا ما حدث، وهذه هي المرة الأولى التي تهاجم فيه دولة الكيان الإسرائيلي.
صحيح أن خسائر الفلسطينيين كبيرة جدا، وطالما قدم الفلسطينيون والعرب والمسلمون وأحرار العالم الخسائر أمام الكيان الإسرائيلي، لكن هذه المرة أن الكيان ايضا يقدم الخسائر في جنوده وآلياته وسمعته واستنزافاته والرأي العام العالمي الذي وقف ضده والى جانب الفلسطنيين ما عدا العديد من الدول الغربية التي نددت بمجازره، كل ذلك وغيره لم يكن يحدث في المعارك السابقة التي كان يتلقى فيها المقاومون الضربات.
*باحث في الشؤون السياسية
استراتيجية محور المقاومة من الدفاع الى الهجوم!
