خالد شــحام*
لقد دخل العدوان على غزة سجلا جديدا في الأرقام القياسية السَّباقة بكل أصنافها وحجومها وتعدى مجرد (حرب ) تشنها دولة المجرمين على شعب محاصر أعزل لا يزال صامدا منذ أكثر من سبعة أشهر وسط جحيم من كل صوب ، لقد تم وصف هذه (الحرب ) بأنها حرب الذكاء الصناعي الأولى في العالم كمـا وكيفا ، وهي حرب الإبادة المتفردة بإلياذة التجويع الأبرز في القرن الحادي والعشرين ، وهي حرب الزعرنة الأكبرعلى كل القوانين والأعراف والأخلاق الإنسانية والدولية بشهادة كل سكان المعمورة ، هي حرب الفرجة والمشاهدة المجانية لكأس الموت في بث حي ومباشر على كل شعوب الأرض دون أن يفعل أحد شيئا ، الوصف الأكثر أهمية والذي ربما يتوجب الوقوف عنده طويلا هو أنها حرب الأكاذيب الكبرى ، حرب الأكاذيب الكبرى حيث تتفوق بعض الأكاذيب المنطوقة على صواريخ كروز وتوما هوك وتسبق الإف 35 ، حرب الأكاذيب المجنحة التي تحقق قصفا أشد ألف مرة من الصواريخ المجنحة الذكية.
يكاد المرء يشعر بشقلبة في دماغه وهو يستمع إلى تصريحات أعضاء الإدارة الأمريكية وأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي ذووي البشرة الناعمة المصقولة ، شقلبة الدماغ هذه تتأتى من التصادمات في التصريحات وانقلابها على لسان ذات الشخص من فترة لأخرى أو حتى بعد ساعات قليلة إلى الحد الذي بتنا معه نعيد تقييمنا ونظرتنا إلى جدارة هذه الإدارة بأن تكون قائدة العالم والمسؤولة عن كل هذه الفوضى منذ سنوات غير قليلة ، لقد بت أعتقد بأننا نعاصر إدارة لا تكاد تختلف عن واحدة من تلك الحكومات في مستوى العالم الثالث أو الرابع الذي يوسمونه بالتخلف والتأخرعن الركب الحضاري .
مساء الخميس فيما كنت أتابع السيد جون كيربي وهو يخاطبنا جميعا بكل حماسة من خلف شاشة التلفاز، وأثناء تحريك الخيوط ليديه وفكه ، حدث شيء عجيب ! كان أنفه يتمدد بضعة سنتمترات كلما دلق بضع عبارات ، إلى الحد الذي اصطدم فيه أنفه المتطاول بزجاج الشاشة وكاد يخترقها ، استغربت من ذلك ولكنني بسرعة تداركت الأمر وتأكدت أنه ليس بمعجزة ولا بشيء عجيب ، تذكرت قصة (بينوكيو) الخالدة ، الدمية الخشبية التي دبت فيها الحياة وكلما كذبت تمدد أنفها طولا ليدل على الكذب ويمنح القصة العبرة الأخلاقية فيها ، يبدو أن لعنة بينوكيو استيقظت من صفحات القصة وتسللت نحو الحامض النووي لهؤلاء السياسيين وتجسدت في العدوان على غزة لتمنح أعضاء حزب الجريمة السخريةَ الكافيةَ التي تليق بخلط القتل الجماعي بلعق البوظة ، والإبادة بمسمى حق الدفاع عن النفس الهزلي ، والحرب المقدسة بالتدليس والتهليس على وعي الزمان والمكان ، تاليا وبعدما أعدت التأمل والتفكير والدراسة اكتشفت من خلال متابعتي للمتحدثين الكثر في فقرات هذه الحرب المدلسة أن ظاهرة أنف بينوكيو المتمدد طفحت وملأت كل شيء وأصبحت نوعا من أشكال التطور الدارويني لديهم ، ولذلك يمكن الان فهم سبب وجود انوف خشبية طويلة متطاولة ملقاة في كل مكان على جوانب الإذاعات والصحف والفضائيات وقرب كثير من المتحدثين والمسؤولين الحكوميين ، ليس هذا فحسب بل أن يبدو أن هنالك تطورا تحوريا حصل للظاهرة البينوكية بمعية التطور الشامل في كل مناحي حياتنا ، لم يعد التمدد وحده أو الأنف وحده هو الذي يطرأ عليه التحور ، فقد لاحظت مثلا وفي أثناء لقاء متلفز بعين واحدة مع مسؤول من جماعة أوسلو بأن حجمه يتقلص كلما تحدث ، وعندما ارتفعت حماسته وانفعالاته في التهجم على المقاومة ورفع صوته بمعدل أعلى من الكذب لاحظت بأنه انكمش الى حجم ضئيل لا يكاد يراه أحد على الكرسي الوثير، إلى الدرجة أن المذيع فوجىء باختفاء الضيف و راح يبحث عنه حتى في سلة المهملات .
الرئيس المحترم يقول عبر اذاعة بينوكية أمريكية بأن (اسرائيل ) تستخدم القذائف التي نزودها بها لقصف المدنيين ومراكز المساعدة ! يا إلهي ! لقد توصل الرجل إلى اكتشاف مهم جدا ومفاجىء وذكي للغاية ولكن لسوء حظه فإن تأثير بينوكيو فضحه بسرعة كما يفعل جهاز كشف الكذب ، حيث يملأ السواد بياض عينيه من فرط الكذب .
القبضاي ياهو قاتل الأطفال والنساء في آخر إطلالاته راح يتوعد ويهدد باقتحام رفح وبأنه أكثر قوة مع شعبه المفكك وانهم موحدون ومستعدون للقتال بأظافرهم حتى لو انقطعت عنهم المساعدات الإجرامية الأمريكية ، لعنة بينوكيو التي تحل على الكذابين امثاله منحته شكلا مخالفا حيث تلاحظون أن أذنيه تتمددان وتتخذان شكلا مدببا من الأطراف كلما توغل في اكاذيبه وسمومه التي ينفثها من بين سنيه الضاحكين بخوف ، ثم تدريجيا ينقلب شكلا ومضمونا إلى شكل (بافوميت ) الأسطوري بلحمه وشحمه .
تقول بعض التقارير الإخبارية بأن الوسطاء أصحاب الرحلات المكوكية بين القاهرة والدوحة و واشنطن يتركون كل مرة خلفهم كومة ضخمة من الأنوف الخشبية بطول متر او مترين تم قصها على عجالة دون أن يفهم أحد من تأتي هذه العيدان الخشبية ، احد الزعماء المحترفين في الكذب والحلفان المسرحي تأتيه الظاهرة البينوكية بازدياد سواد وجهه كلما كذب وبارتفاع افرازات الطبقة الدهنية اللامعة على جلده السميك وبامتقاع عينيه ولون جلده وكأن وجهه يتحول إلى شيء معتم ماص للضوء فتذهب منه معالم الحياة ، السبب البسيط لأنه يحاول إطفاء نور الله ولكن الله متم نوره ولو كفر كل من في الأرض جميعا .
لقد كشفت لنا غزة بأن أنوف بينوكيو المتطاولة تملأ هذا العالم من شرقة إلى غربه إلا من رحم الله ، ما أشد براءتك يا بينوكيو الخشبي وأنت تكذب من أجل أن تكون إنسانا أو تحظى بمحبة من النجار الذي صنعك ، ما أجمل كذباتك قياسا إلى النسخ المصنعة من اللحم والدم و التي صنعت من الأكاذيب ما قتل خمسين ألفا من شعب فلسطين الصامد ، ما أشد براءتك أيها الخشبي حيال هؤلاء المجرمين الذين فجعوا قلوب الأمهات والآباء والعالم وهزوا عرش الرحمن بجرائمهم وعدوانهم وأكاذيبهم التي تزول منها الجبــال ، ما أصغر ذنبك يا بينوكيو المسكين أمام ذنوب حكام الرذيلة والخيانة الذين فرطوا بدم مليونين ونصف من الأبرياء في أكبر سجن عرفته الأرض .
بموازاة الحدث أوالشيء في هذا الكون فهنالك دوما الوجه المعاكس والشيء المضاد ، فكما هنالك ثقب أسود هنالك ثقب أبيض وكما هنالك الكذب فهنالك الصدق ، وكما أن هنالك أنف بينوكيو ومشتقاته المتطورة مع تطور حرب الكذب فهنالك أيضا ظاهرة تناكف أنف بينوكيو اسمها هالة الصدق والوفاء والنور في الوجه ، منتجات نورانية ثانوية تحل عندما يحضر المؤمنون والصادقون والمقاومون ، اسمعوا كلمات أبي عبيدة عندما يطل على شعوب الهزيمة ليمنحها رحيقا من امل وكيف يحيي فيها الروح بعد أن يأست من امر الله ، انظروا إلى وجه سيدة أو صبية من غزة وهي ترفع كفيها الى السماء تحتضن شهيدا أوإثنين وكيف تعمل زلزلة دعائها على تطهير كل الفضاء حتى أمتداد جناحي جبريل عليه السلام ، انظروا إلى طلة مقاتل من أبناء غزة وهو يرمي الياسين وكيف يشفي صدونا المتعبة ببعض هواء الحرية ، إنظروا الى صيحات وتصريحات وكلمات الطلاب في أمريكيا وبريطانيا وفرنسا وسويسرا وهم يصيحون لفلسطين وكيف يلقون رداء العلم على وجوهنا الكالحة ليرتد إلينا البصر بعد العمى ، انظروا إن كنتم ترون الى أكفان الشهداء في غزة كيف تنمو الأجنحة لها وهي ترتقي نحو السماء ، انظروا الى مقذوفات انصار الله ولبنان والعراق وتعلموا من النور الذي ترميه في عتمات الزمان .
في هذا العالم الكذاب الكذوب كل ما ترونه هو محض افتراءات وجرعات من الأكاذيب مسحورة على يدي هاروت وماروت الرقميين ، لا يوجد شيء اسمه طائرات حربية اسرائيلية أو سلاح طيران ، بل لدينا طائرات جبانة مخربة صنعتها اليد الأمريكية لتعتدي وتعربد على الأبرياء والمساكين والأطفال ، كل هذه الطائرات والدبابات والجند ذات أنوف بينوكية كسرتها المقاومة بصدق ثباتها وصلابة إيمانها بقضيتها وحقها المشروع ، لا يوجد لدينا لا حزب حاكم ولا مجلس حرب ولا جنرالات ولا مسمى وزير دفاع ولا رئيس وزراء في الكيان ، كل هذه مسميات ذات أنوف طويلة ، لدينا فقط مجرمون فارون من أحكام الإعدام بسبب جرائم الاغتصاب والسرقة والقتل الجنائي عادوا من سجن الجيتو ليجدووا تكوين مافيا تتوج عالم الجريمة العالمي ، لا جيش دفاع لدينا ولا دولة ولا مطارات ولا شيكل ولا دولار ولا ما يحزنون ، كله زيف من ورق الجرائد طال عليه الأمد وتمدد فيه أنف بينوكيو حد السماء ، لكن السماء بالمرصاد وستعيد كل شيء إلى مكانه ومكانته وحجمه ، حذار أن تصدقوا أكاذيب القبائل والأحساب والأنساب والطائفة والقبيلة فكل هذه أنوف بينوكية عقدت الصلح مع العبريين قبل مائة سنة وأصبحت جزءا من زرد الجنزير ، كله رماد وكله زيف وكله كذب سيعود قريبا إلى القمقم الصغير في قاع البحر ولن يتذكره أحد .
أنف بينوكيو الأمريكي والاسرائيلي والعربي المتصهين المزروع فوق الشعوب يعد بالإطاحة بالمقاومة وازالة ظاهرة المقاومة ، لكن لسان الصدق العربي الإسلامي الذي يقيم في غزة يؤكد لكم جميعا بأن المقاومة باقية والحق باق ورفح ستصمد وتسحق جيش المخربين ، المقاومة البطولية ستكسر أنف بينوكيو الاسرائيلي الذي يترنح قبل السقوط الأخير ، شعب غزة سيرغمكم على ايقاف عدوانكم الفاشي وسيمرغ جبروتكم بالتراب ، شعب غزة لن يهاجر ولن يتوقف عن المقاومة حتى نيل كامل حقوقه .
*كاتب فلسطيني
ما قبل السقوط الإسرائيلي بقليل!
