اليمن الحر الأخباري

(ترياق) لسموم الجماعات الإرهابية!

سماهر الخطيب*
شكلت الجماعات الإرهابية التي تنتشر في منطقة الصحراء ودول الساحل الأفريقي، مالي والنيجر وبوركينا فاسو التحدي الأكبر لدول المنطقة والتهديد الأكبر للأمن والاقتصاد والتنمية في تلك الدول. حيث تعتبر منطقة ليبتاكو غورما التي تتلاقى فيها حدود دول منطقة الصحراء والساحل الأفريقي النيجر، مالي، وبوركينا فاسو مرتعاً للجماعات المسلّحة، التي تسببت في عدم الاستقرار وزعزعة أمن المنطقة بأكملها خلال العقد الماضي بارتكابها الكثير من العمليات الإرهابية.
إلى جانب ذلك بدأت بعض الجماعات الإرهابية بالفرار إلى الدول المجاورة، ناقلتاً معها التهديدات الأمنية لتلك الدول، وخاصة موريتانيا، التي تعتبر دولة هامة إقليماً واقتصادياً وعلى المستوى الجيوسياسي. بعد فشل القوات الدولية (الأوروبية والفرنسية) العاملة في المنطقة من تحقيق الأمن والاستقرار للسكان، وارتفاع معدل العنف، حسب المؤشر العالمي للإرهاب، وازداد السكان فقراً وجوعاً وزاد انتشار الجهل والإرهاب، وهذا ما دفع سكان تلك الدول وبعض قادة الجيش للثورة ضدهم.
لذا، وقعت مالي والنيجر وبوركينا فاسو، العام الماضي اتفاق “ليبتاكو غورما” لإنشاء تحالف دول الساحل وفي مقدمة أهدافه محاربة الجماعات الإرهابية التي تنشط في المنطقة الحدودية المشتركة بين الدول الـ3″، إضافة للتعاون الاقتصادي وتحقيق التنمية فيما بينهم. ويمكن القول بأن هذا التعاون والتنسيق الأمني سيكون له الأثر الأكبر في القضاء على المنظمات الإرهابية وتهديداتها في منطقة الساحل كلها بما فيها موريتانيا.
خلفيات التهديدات الإرهابية لدول الساحل وموريتانيا
ووفقاً للباحث المالي بكاي أغ حمد المتخصص بشؤون الإرهاب والحركات الجهادية، تنتشر في مالي ودول الساحل جماعات إرهابية مسلحة متعددة الخلفيات والايديولوجيات منذ أكثر من عقد من الزمن، مثل “بوكو حرام” وتنظيم “القاعدة” و”حركة الجهاد والتوحيد في غرب أفريقيا”، بالإضافة لحركات أخرى، مثل الحركات الانفصالية في مالي والنيجر.
وبحسب أغا حمد فإنه وعلى الرغم من تواجد قوات حفظ سلام دولية، وقوات فرنسية منذ أكثر من عشرة أعوام في المنطقة، إلا أنها لم تتمكن من منع الحركات المسلحة والجماعات الإرهابية من ارتكاب جرائم دموية، وتنفيذ مئات العمليات الإرهابية التي أودت بحياة كثير من الأبرياء. إلى جانب ذلك، انتشار الجهل والإرهاب، وازدياد سوء الأوضاع، كان السبب الأساسي وراء ثورة السكان ضد القوات الأجنبية، وطردهم لاحقاً.
وأكد أغا حمد، بأن انخراط الجيش المالي بمعارك وحملات عسكرية ضد الجماعات الإرهابية وأحرز تقدم ملحوظ، كما تخللت عمليات الجيش المالي بعض الهجمات قرب الحدود مع موريتانيا، التي فر إليها عدد كبير من الجماعات الإرهابية مما شكل بعض الخلافات بين الدولتين الجارتين.
تحالف دول الساحل والحرب على الارهاب
في السياق ذاته، أكد الخبير والمحلل السياسي أبو بكر عبد السلام بأن العملية العسكرية التي أطلقها الجيش المالي ضد الإرهابيين بدعم واشراف من قبل قوات روسية، مكنت مالي من استعادة السيطرة على مناطق شاسعة في البلاد، كما ساهمت في ابعاد عدد كبير من الإرهابيين تجاه الحدود الموريتانية.
لذا وبحسب عبد السلام، فإن التهديدات الإرهابية كانت السبب الرئيسي لإنشاء تحالف دول الساحل، في سبتمر 2023، لمواجهة تلك الجماعات التي تنشط في المنطقة الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
حيث لعب التحالف دوراً مؤثراً في مكافحة الإرهاب عبر الحدود وتدمير جزء كبير من عدة وعتاد الجماعات الإرهابية المنتشرة في المنطقة. لكنه لم ينهي التهديد الإرهابي بشكل كامل، لأن ضربات التحالف سببت فرار أعداد كبيرة من الإرهابيين تجاه الحدود الموريتانية لتظهر لاحقاً نتائج فرارهم، على شكل أعمال عنف ضد مواطنين موريتانيين وماليين على طرفي الحدود.
وبحسب بعض المراقبين، فإن تنسيق بعض العمليات الإرهابية ضد موريتانيا انطلاقا من الحدود المالية تم بتنسيق من المخابرات الفرنسية، وذلك بهدف توتير العلاقات بين مالي وموريتانيا، لمواجهة النفوذ الروسي المتنامي في المنطقة، خاصة بعد خسارة فرنسا لنفوذها هناك.
وأشار عبد السلام إلى أن السلطات الموريتانية والمالية استطاعت احتواء الموقف وحولت التوتر إلى تنسيق وتشاور، حيث كان الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني قد استقبل بنواكشوط، وزير الخارجية المالي وبرفقته وزير الدفاع، في أبريل الماضي، الذين حملا رسالة من رئيس المجلس العسكري آسيمي غويتا، كما استقبل الأخير وزير الدفاع الموريتاني حاملاً رسالة من ولد الغزواني.
وبدأت السلطات الموريتانية بإرسال وفود عسكرية إلى باماكو للبحث عن خلفيات الحوادث والظروف، والتنسيق المشترك، كما تعهد وزير الداخلية واللامركزية المالي بتعميق البحث والقبض على المجرمين.
حجم الثقل الموريتاني في المعركة ضد الإرهاب
وبحسب المحلل السياسي الموريتاني محمد أغ أشغتمان، وقفت نواكشوط مع الشعب المالي في أزمات النزوح والهجرة، وتستضيف موريتانيا حاليا 150 ألف لاجئ من مالي، ويتوقع أن يصل العدد إلى ربع مليون بنهاية الـ2024. كما تتميز العلاقات بين البلدين بالتداخل والترابط الديني والثقافي والاجتماعي. تعتمد مالي على ميناء نواكشوط في الاستيراد والتصدير، كما أن مالي تستقبل عبر الطرق البرية الموريتانية شاحنات البضائع القادمة من الجزائر والمغرب. كما تعتبر موريتانيا جاذبة للعمالة من مالي، وفي المقابل، يعتمد الرعاة وتجار المواشي الموريتانيين على الأراضي المالية، ونظرا للمنافع المتبادلة بين البلدين، فإن مبدأ المصالح العامة يقتضي التنسيق والتشاور والقضاء على أي تهديدات إرهابية أو توترات أمنية على جدود البلدين.
ووفقاً لـ أغ أشغتمان، فإن العامل الأهم في حسم المواجهة مع الجماعات الإرهابية، هو دخول موريتانيا بقواتها وجيوشها على خط المواجهة بشكل مباشر مع تحالف دول الساحل. مشدداً على أن موريتانيا قادرة على أن تلعب دوراً فعالاً بالقضاء على جميع التهديدات الإرهابية في المنطقة، كما أن نواكشوط وبحسب الاحصائيات الدولية هي أقل البلدان في افريقيا من حيث مستوى الإرهاب، وتبذل جهود مهمة بهذا الإطار.
وفي السياق ذاته، كان وزير الدفاع الموريتاني حنينا ولد سيدي، قد أعلن في أيار مايو الماضي، خلال جولته على الحدود مع مالي وفي إقليمي العدل بكرو وباسكنو، أن جيشه قادر على حماية المواطنين وممتلكاتهم. وشدد ولد سيدي على أن أهمية العلاقات مع مالي وعمقها.
وكانت القوات المسلحة الموريتانية قد بدأت بالانتشار في المنطقة الحدودية مع مالي، بهدف تعزيز أمن المناطق الحدودية. كما منحت باماكو للجيش الموريتاني مساحة جديدة في مالي للقيام بعمليات المراقبة. كما تم إنشاء دوريات مشتركة وممرات آمنة للمدنيين.
*كاتبة سورية

Exit mobile version