اليمن الحر الأخباري

الاموات المحظوظون..!

اسيا العتروس*
لا شيئ يحرك السواكن او يهز الضمائر المحنطة .. مقصلة الاحتلال تعبث بكل شيء في قطاع غزة حيث تعدم و تنسف كل مظاهر الحياة على مدار الساعة و لا مكان امن هناك …في غزة ترتفع اصوات الاطفال تطلب الموت وتنشد الشهادة ليس زهدا في الحياة و لكن هربا من جحيم اجتمعت فيه كل شروط العداء للحياة من الملاحقة برا و بحرا و جوا والقصف بكل انواع الذخيرة و القنابل المحرمة دوليا الى كل اسباب الموت البطيئ بالحرمان من الغذاء والماء والدواء والملجأ و التنقل ..
البيوت كما المدارس والمساجد و المستشفيات و عربات الاسعاف و المخيمات ومراكز الصليب الاحمرو الاونروا أو ما بقي منها بعد تسعة أشهر من القصف الهجمي والدمار الشامل أهداف لجيش الاحتلال الذي فقد البوصلة واطلق العنان لاحقاده تقوده في حرب لا متساوية بين كيان يتمتع بكل الدعم و التمويل العسكري الذي لا ينضب و بين فصائل للمقاومة تعيش في الانفاق و قياداتها مطاردة تحت الارض و فوق الارض و لا احد يملك القدرة على تحديد ما بين يديها من عتاد او رجال و ما اذا بدأ ينضب او انه بامكانها مواصلة الصمود و تقديم مزيد المفاجات ..بل ان عائلاتهم و ابناؤهم و زوجاتهم و احفادهم يتعرضون للقنص انتقاما منهم و من اصرارهم على المقاومة ..
من بين الانقاض والركام يأتينا من غزة كل يوم ألف حكاية وحكاية عن شعب يباد على وقع القصف و التجويع والتهجير والحصار ..اطنان من المساعدات الغذائية والطبية التي نقلت بالشاحنات والطائرات مكدسة على المعابر وأغلبها فسد ولم يعد صالحا للاستهلاك و لكن في المقابل تواصل وكالات الانباء نقل اخبار وصول المساعدات الانسانية الى غزة و التي لن تمسها ايدي الاطفال و لا المحتاجين للمساعدات من اهل غزة في عالم يثبت كل يوم انه يزداد توحشا وانتصارا للفوضى …
سيتعين الاعتراف بان لغزة الف حكاية و حكاية يجب ان تروى و انه خلف كل مشاهد الموت القادم من غزة هناك حكايات ما كان للشيطان تخيلها او توقعها ..
كلب مسعوريحمل في رقبته كاميرا ينهش جسد عجوز على فراشها بعد أن رفضت اخلاء بيتها ..شاب مسطح على دبابة اسرائيلية تحت لفيح الشمس يأخذه الجنود درعا لهم لانهاء عملياتهم العسكرية ..أطفال يتحولون الى هياكل عظمية يموتون جوعا ولا يجدون غير الحجر لاسكات الامعاء الخاوية.. مشاهد سيكتب التاريخ أن دماء اطفال و نساء غزة تحولت الى ماء بعد أن هانت على شعوب الارض و حكامها الذين ركنوا للخنوع و العجز و قبلوا بك ممارسات و جرائم جيش الاحتلال الاسرائيلي المتعطش للدم و المتمادي في التوحش و هو الذي يكشف يوما بعد يوم انه عصابة لا ترتوي من الضحايا و انها تطلب المزيد في كل ساعة بل في كل لحظة ..
عبثا نحاول فهم هذا الكيان المارق الذي نشأ من رحم عصابات الهاغاناه و الشترن , كيان منحته عصبة الامم بطاقة وجوده وعندما استوى له الامر تنكر لكل قراراتها و داس عليها بل و بات يطالب بالغاء وجودها كلما اعلنت رفضها لخروقاته و ممارساته الاجرامية او تجرأت على تذكيره بحق الشعب الفلسطيني التاريخي المشروع في الحياة و البقاء على ارضه…وعبثا أيضا نحاول فهم حجم الخذلان الدولي لغزة التي تدفع وحدها ثمن الاحتلال الارعن و قد كان المجتمع الدولي في القرن الماضي درعا و مناصرا لكل الشعوب الخاضعة للاحتلال في معاركها من اجل الحرية و الحق في تقرير المصير ..
كل لغات العالم تعجز اليوم عن رصد و نقل و فهم ما يجري في غزة المستباحة حيث بات الاموات محظوظون و هم ينتقلون الى عالم اخر بعيدا عن اهوال جحيم غزة الذي لم يعد اطفال غزة يملكون القدرة على مواجهته ..
اطفال غزة يفقدون يوميا احد افراد عائلاتهم او اكثر و هم يفقدون يوميا ساقا أو ساقين او ذراعا او الاثنين معا ..غزة متى توقفت الحرب ستكون أرض لجيل مبتور الاطراف و اغلب من بترت اطرافهم ستلاحقهم ذكريات مؤلمة عن اخضاعهم لعمليات جراحية دون تبنيج ..في غزة الف حكاية و حكاية و حكاية الصحفيين الذين استهدفوا وأعدموا في غزة لانهم ينقلون الحقائق للعالم حكاية اخرى جديرة بالتوثيق ..
الصحفيون في غزة هم الشهود الذين يحتاج إليهم التاريخ لسرد ما يجري في غزة وهم اكثر من يدرك اليوم ان السترة المهنية لم تعد تمنحهم بل ربما تعرضهم اكثر للخطر …
كل العالم يحذر من توسع رقعة الحرب بين اسرائيل و حزب الله لتجرف المنطقة الى دمار شامل ..ولكن في المقابل فان تهديدات وزير الحرب الاسرائيلي غالانت باعادة لبنان الى العصر الحجري لا تستوجب الاستنفار و لا تدع لتذكير هذا الكيان المارق بالانضباط ..بل هذا في الواقع ما يجعل الكيان الاسرائيلي مصر على حرق الاخضر و اليابس …
*كاتبة تونسية

Exit mobile version