غادة حاطوم*
يجب الاعتراف بأنَّ مسألة النَّازحين السُّوريين، باتت تُشكِّل مُعِضلَةً حقيقيّةً للبنان واللُّبنانيين على الصُّعد الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والدّيموغرافيَّة كافَّة.
فعلى مرور ثلاثة عشر عامًا من عمر الأزمة السُّوريَّة، فشلت الحكومات اللُّبنانيَّة المتعاقبة في معالجة هذا الملف، ولا سيَّما الحكومة الحاليّة برئاسة نجيب ميقاتي التي تحوَّلت إلى حكومة تصريف أعمال بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، وتعذُّر انتخاب رئيس جديد للبلاد.
فمن المؤسف فعلًا أن يجد لُبنان نفسه يعيش هذه المشكلة التي تُشكِّل مؤامرة على كيانه ومستقبله، لا تقلُّ خطورةً عن مشروع اتفاقيَّة سايكس بيكو، ولا سيَّما أنَّ الطَّرف الآخر في المواجهة -هذه المرَّة- هو أقرب الشُّعوب للشَّعب اللبنانيّ في الجغرافيا والتَّاريخ والثَّقافة، الأمر الذي يؤكِّد أنَّ الكيانَ اللُّبنانيَّ منذ نشأته إلى اليوم لا يزال يدفع فواتير الصِّراعات الإقليميَّة والدُّوليَّة على أرضه.
ومهما قلنا عن أسباب هذا النُّزوح، واختلفنا حول طرائق معالجته، فإنَّه لا يمكن التَّغاضي عن الدَّور الذي تقوم به المنظَّمات الدُّوليَّة في تعميق الأزمة وإطالتها، من خلال عدم التَّعاون مع الحكومة اللُّبنانيَّة في حلِّ هذا الملف وفق مصلحة لُبنان واللُّبنانيين، والذَّهاب بدلًا من ذلك إلى التَّصرُّف بما يخدم مصالح ما يُسمَّى بالمجتمع الدُّولي الذي يبدو واضحًا أنَّه يعمل لدمج النَّازحين السُّوريين بالمجتمع اللُّبناني، الأمر الذي من شأنه أن يشكِّل خطرًا ديموغرافيًّا يُهدِّد دولة لبنان بالزَّوال. ولعلَّ أكثر ما يثير الرِّيبة في هذا المجال هو لجوء منظَّمات المجتمع الدُّوليَّة إلى طرح مقولة العودة الطَّوعيَّة والآمنة التي تهدف إلى عرقلة عودة هؤلاء النَّازحين إلى بلادهم.
ومن الأمور التي تطرَحُ أكثر من علامة استفهام أيضًا، هي قيام المفوَّضيَّة العليا للاجئين UNHCR مؤخَّرًا ببعض الممارسات التي تتنافى مع سيادة لُبنان واستقلاله، وذلك من خلال إصدار إفادات سكن للنَّازحين السُّوريين. فضلًا عن ذلك اعتراض المفوَّضيَّة في كتاب رسميٍّ إلى وزارة الدَّاخليَّة على التَّدابير الأمنيَّة التي تقوم باتخاذها الوزارة لتنظيم إقامة النَّازحين السُّوريين في لبنان ليثبت بما لا يدع مجالًا للشكِّ أنَّ هناك جهات خارجيَّة تسعى لتشرِّع الواقع القائم؛ إذ ينتقل من وضعيَّة المؤقَّت إلى وضعيَّة الدَّائم.
وبعد هذا الاستعراض للمخاطر المحدقة بهذا الوطن الصَّغير الذي يُعدُّ واحدًا من أصغر دول المنطقة، نتساءل: ما الحلُّ الذي يجب اتباعه للتَّخلُّص من هذه المعضلة؟ وتساؤلنا هنا لا علاقة له بالسَّياسة، بل يأتي من باب شرح الواقع كما هو. برأينا أنَّ الوصول إلى الحلّ يكمن في أمرين اثنين، الأوَّل: هو اتفاق اللبنانيين مع بعضهم البعض على مقاربة واحدة لهذا الملف، والآخر: هو قيام تعاون جدّيٍّ مع الحكومة السُّوريَّة للوصول إلى مخرج من هذا الوضع الذي يصفه بأنَّه الأسوأ منذ موجات النُّزوح التي رافقت الحرب العالميَّة الثَّانية.
أمَّا فيما يخصُّ التَّواصل مع الحكومة السُّوريَّة، فالأمور قد وُضِعت في مسارها الصحيح، من خلال الزِّيارة التي قام بها وزير المُهجَّرين اللبناني عصام شرف إلى سوريَّة في تاريخ 24/ 6/ 2023م؛ إذ عاد منها باتِّفاق واضح مع الحكومة السُّوريَّة يتضمَّن جدوًلا مفصَّلًا لعودة النَّازحين السُّوريين إلى بلادهم على مراحلَ بالتَّنسيق بين السُّلطات اللُّبنانيَّة والسُّورية، والتَّعاون فيما بينهما. وهذا الاتِّفاق تمَّ عرضه على مجلس الوزراء اللبناني في جلسة رسميَّة، إلَّا أنَّه لم يسلك طريقه للتَّنفيذ؛ بسب ما تعرَّضت له الحكومة اللُّبنانيَّة من ضغط حقوقيٍّ ودوليٍّ، هدفه إطالة الأزمة.
في ظلِّ هذا المشهد المتشابك والمعقَّد يبرز السُّؤال الآتي: ما الحلُّ الأقرب إلى التَّنفيذ، ولا سيَّما أنّ البعض يرى أنَّ ترحيل ثلاثة ملايين نازح دفعةً واحدةً أمرٌ بالغُ الصُّعوبة، ويتطلَّب جهدًا تنظيميًّا وماليًّا وأمنيًّا، لا يملكه لبنان حاليًّا؟
قد يكون الجواب في الاقتراح الذي طرحه أحد الخبراء؛ إذ طالب بتوزيع النَّازحين على ما لا يقل عن أربعة مخيَّمات كبيرة تُقام على الخطِّ الحدوديِّ الفاصلِ بين لبنان وسوريَّة في شرق البلد وشماله، على أن يتمَّ إبلاغ مفوَّضيَّة اللاجئين في الأمم المتَّحدة بقرار رسميٍّ صادرٍ عن الحكومة اللُّبنانيَّة، ومنع المساعدات عن أيِّ نازح سوريٍّ يعيش خارج هذه المخيَّمات التي حدَّدتها الدَّولة. ويبقى أمر آخر هو قيام الدَّولة اللُّبنانيَّة بأخذ المبادرة من يد المنظَّمات الدُّوليَّة، من خلال وضع قواعد التَّعامل مع النَّازحين وشروط هذا التَّعامل، وليس العكس.
*كاتبة لبنانية
لبنان وعودة النَّازحين السُّوريين..!
