اليمن الحر الأخباري

 من قلب أجواء الحرب في غزة!

حماد صبح*
أذهب إلى المدينة مرتين أسبوعيا لاشتراء ما يلزم من طعام، ويقتضيني الذهاب أن أسير مسافة حوالي 700 متر على شارع صلاح الدين، الشارع الرئيسي الأول في قطاع غزة، والثاني هو شارع الرشيد الموازي للبحر. وتعرض الأمتار السبعمائة صورا يومية لأحداث الحرب التي نبذت فيها إسرائيل ضوابط الحرب المتفق عليها في قوانين العالم. ناس عائدة صباحا من مدرستي الوكالة المتجاورين إلى بيوتها التي هدمت طائرات إسرائيل ومدفعيتها أكثرها هدما كليا أو جزئيا. سيارات مقبلة من خانيونس أو قاصدة إليها من مدن المنطقة الوسطى. ناس تحمل حزم الحطب عائدة إلى المدرستين، أو ذاهبة للبحث عنه في المزارع والكروم التي جرف العدوان بعضها.
أرى أصول أشجار الأكاسيا التي هشم القصف بعضها، أو قطعها الناس وقودا ؛ قد عادت الحياة إليها ورقا غضا محمرا تهيئة للاخضرار، وأعمدة كهرباء هاوية، وأسلاكا مقطوعة. للشارع أربعة مسارات إلا ان الناس، وأنا منهم، لا يلتزمون بقانون السير عليها. نمشي وسط المسار أو في إحدى حافتيه، وفي الاتجاه المخالف، والسيارات تفعل مثلنا. أمشي ست كيلومترات ذهابا وإيابا. حرارة الصيف طاغية تشرع في ارتفاعها من الثامنة، وتتسارع فيه لاهبة تكدر نفوسا مكدرة، وتوهن أبدانا وهنت إلا قليلها.
صيف حار، بل قيظ، جاء بعد شتاء شح مطره وإن لم يكن باردا برودة بائنة، وفعل شحه فعله في ما زرع الناس من قمح، فنبت هزيلا قليل الحب، وفي شجر الزيتون الذي قلت ثماره وصغرت، وتآزر كل هذا السوء مع ما فجره القصف المدفعي والجوي من غبار غطى الورق، فأعاق تنفسه، وجلب إليه حرارة إضافية إلى جانب حرارة الجو، وأضعف كل ذلك قدرته على التغذي والنمو الطبيعيين. في جو الحر الطاغي يجهد الماشي سريعا، وينقض عليه الوهن، وتبطؤ خطاه. وعلى الجانب القبلي من الشارع النافذ إلى بيتي، قرب أطلال بيت في الجانب الشمالي هدمه القصف الجوي في الأسبوع الأول من الحرب الفاجرة ؛ شجرات أكاسيا بينها شجرة زينة حمراء الزهر، وتحت تلك الشجرات حجارة من البيت القصيف الهديم.
أقتعد واحدة من تلك الحجارة محزونا على البيت وأهله حزنا لا تقلله ظلال تلك الشجرات. بيوت أخرى مجاورة للبيت هدمها القصف الأثيم، وهدم معها مخزن بضائع واسعا. ويسود ان تكون معي قارورة ماء ابتعتها من السوق، فأخرجها من المخلاة الزرقاء، وأشرب منها، فأنتعش وأتقوى، وأستعيد أحيانا ذكريات رجوعي من عملي قبل الحرب بين الحادية والثانية عشرة في ليل قد يكون عاصفا ممطرا أو صحوا مقمرا.
اسم الشارع ” صلاح الدين ” يدفعك في زمن العرب المنهار المتخم بالقادة الصغار إلى سالف الحقب، إلى القائد العظيم صلاح الدين، وتسترجع صرخة بعض المواطنين العرب حين يحزبهم اليأس : ” عد يا صلاح الدين ! “. ولا أحد يعود. تعود القيم التي جسدها صلاح الدين ومن ماثله من القادة المسلمين العظام. للقيم الشريفة عظماء يجسدونها، وللقيم الخسيسة أخساء يجسدونها. كلها رهن بالبشر.
اسم صلاح الدين أوثق اسم في التاريخ الإسلامي بانتصاره على الصليبين في معركة حطين يوم الجمعة، 25 ربيع الثاني 583 حين طحن الجيش الإسلامي بقيادته الجيش الصليبي قرب تل حطين جوار بحيرة طبريا، وقتل منه عشرة آلاف جندي سوى الجرحى، وهيأ بذلك الانتصار الكبير تهيئة لا مرد لها لانهيار الحلم الصليبي في الديار الإسلامية عقب مائتي عام من دموية ذلك الحلم وهمجيته التي أقر المؤرخون الغربيون مثل ميلز وميشو بهما في مناقضة كبرى لأخلاق المسلمين الفضلى والإنسانية التي مثلها صلاح الدين تسامحا ورحمة مع أولئك الأفظاظ الهمج الذين ما اتزعوا عن أكل لحوم المسلمين أحياء وأمواتا. ولصلاح الدين القائد موقف تاريخي من دير البلح التي ترد في المصادر البيزنطية باسم الداروم، أي البلدة الجنوبية.
في إحدى مفاوضاته مع ملك إنجلترا ريتشارد قلب الأسد طلب هذا تسليمه دير البلح وغزة وعسقلان مقابل تنازله عن بيت المقدس، فأبى صلاح الدين التنازل عن المدن الثلاث إباء حازما لا تردد فيه، وعرض عليه مدينة يافا. وتعليل تمسكه بالمدن الثلاث أنها طريق الإمداد العسكري والتمويني برا وبحرا من مصر التي كانت في ولاية أخيه الملك العادل ؛ إلى الشام. ولغزة وعسقلان شئون تاريخية مع الإسرائيليين. خطفتا منهم في إحدى المعارك تابوت العهد، وأرغموا على الخروج من غزة في التاريخ الحديث في 1948، و1957، و2005، ولن يكون مآل حربهم المجرمة الحالية خيرا من مآلاتهم الغابرة معها، ولا خيرا من مآل حروب الصليبيين الست في الديار الإسلامية، وهم في الصحيح صليبية جديدة بوجه يهودي وإن بدا البعد الديني الصليبي فيها خافتا خاصة لدى المواطنين الغربيين الذين يتظاهرون أسبوعيا استنكارا لهذه الحرب التي تناصر فيها حكوماتهم إسرائيل في الوقت الذي تردع فيه أكثر الدول العربية مواطنيها عن أي مظهر من مظاهر التعاطف مع غزة، فصرخ جوتيريش أمين عام الأمم المتحدة في هذه الدول : ” اخجلوا ! لم تفعلوا شيئا لغزة. “، وليتها لم تفعل شيئا وكفى، بعضها منح إسرائيل نفطا ومالا وسلاحا، وأرسل أطباء وممرضين ومرتزقة.
***

*كاتب فلسطيني/ غزة

Exit mobile version