فاطمة عواد الجبوري*
لقد تحولت دورة الألعاب الأوليمبية في باريس، التي كان من المفترض أن تكون احتفالاً بالوحدة الإنسانية، والبراعة الرياضية، والتبادل الثقافي، إلى تمثيل صارخ للانحلال الأخلاقي العميق الذي أصاب المجتمعات الغربية. لقد تحول هذا الحدث الدولي المرموق، الذي كان تقليدياً مسرحاً لعرض أعلى المثل العليا للروح الرياضية والتضامن العالمي، إلى عرض محبط لانحراف الغرب عن أسسه الأخلاقية التي كان يعتز بها ذات يوم.
وفي قلب هذه الأزمة الأخلاقية كان التجاهل الواضح للرموز والشخصيات التي مثلت تاريخياً أسمى فضائل البشرية. لقد تعرض عيسى المسيح، النبي الذي لا يحظى بالاحترام في المسيحية فحسب، بل وأيضاً في الإسلام، للإهانة على نحو كان ليصدم أي مجتمع لا يزال راسخاً في مبادئ الحشمة والاحترام. ولكن في ظل هذه الأجواء المحبطة، حيث طغت مظاهر الانحطاط على رموز الإيمان والأخلاق، برزت مقاومة ملحوظة من المجتمعات الإسلامية. فقد قام فنان إعلامي إيراني، مدفوعاً بشعور عميق بالإيمان والالتزام بالعدالة، برسم لوحة فنية قوية ومثيرة للإعجاب. وقد خدم هذا العمل الفني، الذي يصور السيد المسيح وهو يشارك في العشاء الأخير مع أطفال غزة، كسرد مضاد عميق للتفكك الأخلاقي الذي ظهر في الألعاب الأوليمبية. وكانت الصورة غنية بالرمزية، حيث لم يصور السيد المسيح مع تلاميذه بل مع الأطفال الذين أصبحوا ضحايا أبرياء لجريمة إبادة جماعية يرتكبها الكيان الصهيوني ويباركها ويدعمها الغرب والولايات المتحدة.
لقد تجاوزت اللوحة بسرعة حدود الفن، وتردد صداها بعمق داخل المجتمعات الإسلامية وخارجها. لقد كانت تأكيدًا بصريًا على الاحترام والإعجاب الذي يكنه المسلمون منذ فترة طويلة لعيسى المسيح، النبي الذي يعتبرونه أحد أعظم رسل الله. لكن اللوحة فعلت أكثر من مجرد تكريم عيسى؛ لقد دفعت المسيحيين في جميع أنحاء العالم للتأمل في مدى انحراف مجتمعاتهم عن تعاليم الرحمة والعدالة التي تبناها النبي عيسى. كان التقابل بين المقدس والدنيوي، بين شخصية عيسى المقدسة وأطفال غزة المعذبين، بمثابة إدانة قوية للفشل الأخلاقي للعالم الغربي.
لم يظل هذا العمل الفني محصوراً في العالم الإسلامي. فقد انتشر بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفي وعي الناس من جميع مناحي الحياة، مما أثار مناقشات واسعة النطاق حول طبيعة الأخلاق، ودور الدين في المجتمع الحديث، وعواقب عالم مدفوع بشكل متزايد بالمادية والمصلحة الذاتية. ولقد اضطر المسيحيون على وجه الخصوص إلى مواجهة الحقيقة غير المريحة المتمثلة في أن العالم الإسلامي هو الذي تقدم للدفاع عن كرامة هذه الشخصيات المقدسة في حين كانت المؤسسات الغربية تستولي على رموزهم الدينية أو تتجاهلها. وقد أدى هذا الإدراك إلى تنامي الوعي بالانحدار الأخلاقي للغرب وإعادة تقييم ما يعنيه تكريم إرث شخصيات مثل السيد المسيح.
لقد كشف حفل افتتاح الألعاب الأوليمبية في باريس، الذي كان من المفترض أن يكون بمثابة عرض لأفضل ما قدمته الثقافة الغربية وإنجازاتها، عن الأزمة الأخلاقية العميقة الجذور التي استولت على هذه المجتمعات. وكان القرار بالسماح لإسرائيل، الكيان الذي أدانه جميع الناس حول العالم على نطاق واسع بسبب قتله للأطفال الفلسطينيين، بالمشاركة في الألعاب دون أي تحدٍ كبير، مؤثراً بشكل خاص. فقد سلط الضوء على نفاق الغرب الذي كان يفخر ذات يوم بالتزامه بحقوق الإنسان ولكنه يبدو الآن على استعداد لغض الطرف عن الظلم والإبادة الجماعية التي يتعرض لها أهل غزة، عندما يناسب الأمر مصالحه. وكان هذا الفشل في الدفاع عن الفئات الأكثر ضعفاً، حتى في سياق حدث يهدف إلى تعزيز السلام والتفاهم العالمي، بمثابة إشارة واضحة إلى أن المجتمعات الغربية لم تكن يوماً تسترشد بالمبادئ الأخلاقية وحقوق الإنسان.
أصبح من الواضح بشكل متزايد أن الغرب، بعيدًا عن التقدم نحو مستقبل أكثر استنارة وإنسانية، يتراجع إلى حالة من الانهيار الأخلاقي. لقد تآكلت القيم التي حددت الحضارة الغربية ذات يوم ــ العدالة والرحمة واحترام كرامة جميع البشر ــ إلى الحد الذي لم يعد من الممكن معه اعتبار هذه المجتمعات رائدة في المشهد الأخلاقي العالمي. وبدلاً من ذلك، يبدو أنها تنحدر إلى حالة من الفوضى الأخلاقية، حيث يتقدم السعي وراء السلطة والثروة والمتعة على المبادئ الأساسية للإنسانية.
ولن يتذكر الناس الألعاب الأوليمبية في باريس باعتبارها انتصاراً للروح الإنسانية والتفوق الرياضي. بل سوف يتذكرونها باعتبارها دليلاً واضحاً على فشل الغرب الأخلاقي ـ وهو الفشل الذي تناقض بشكل واضح مع مرونة وقوة القيم الإسلامية. إن دفاع المسلمين عن قدسية السيد المسيح تشكل شهادة على القوة الدائمة للإيمان والأخلاق في مواجهة عالم يبدو ضائعاً على نحو متزايد. وهي بمثابة تذكير بأن الأخلاق الحقيقية لا تتحدد بالبهرجة والضجة التي تحيط بالأحداث الدولية، بل بالالتزام الهادئ الثابت بالعدالة والرحمة وكرامة كل البشر.
وفي ضوء هذا، يتبين لنا أن المجتمعات الغربية “المتقدمة” المزعومة تعيش حالة من التراجع العميق، وأن بوصلتها الأخلاقية قد تحطمت بفعل نفس القوى التي سعت ذات يوم إلى السيطرة عليها. والواقع أن الألعاب الأوليمبية في باريس، بعيداً عن كونها احتفالاً بالتقدم، كشفت عن الشقوق العميقة في أساس الحضارة الغربية، الأمر الذي جعل كثيرين يتساءلون عما إذا كانت هذه المجتمعات قادرة على استعادة القيم التي فقدتها حقاً. وفي الوقت نفسه، فإن انتصار الأخلاق الإسلامية يقدم بصيصاً من الأمل في عالم يحتاج بشدة إلى العودة إلى جذوره الأخلاقية والروحية.
*كاتبة وباحثة عراقية
عيسى عليه السلام وغزّة والأولمبياد!
