زهير حليم أندراوس*
“لا يوجد بيت مُدَّمر، أوْ حجر مُبعثر، أوْ يد مبتورة، أوْ أمّ ثكلى، أوْ أمّة مشوّهة، إلّا وستجِد للولايات المُتحدّة الأمريكيّة أثرًا فيها”، هذه المقولة أطلقها الزعيم الفيتنامي الشماليّ، هوشي منه، الذي قاد الثورة ضدّ الولايات المُتحدّة وانتصر عليها، لا بلْ مرّغ أنفها بالتراب، وتابع: “لأوّل مرّةٍ في التاريخ تخرج دولةً صغيرةً منتصرةً في الصراع مع دولةٍ استعماريّةٍ كبيرةٍ، لقد كان انتصارًا، لا لشعبنا فقط، بل لكلّ الشعوب المُستضعفة في العالم”، والشيء بالشيء يُذكر، الكاتب والأديب الروسيّ مكسيم غوركي قال للعالم من أقصاه لأقصاه: “الأمريكيون لديهم كلّ شيءٍ يتّمناه الإنسان، إلّا شيئًا واحدًا وهو الشعور بالإنسانيّة”، وعندما زار الكاتب الإيرلنديّ، أوسكار وايلد الولايات المُتحدّة سأله رجل شرطة الحدود هل تحمل الممنوعات؟ فردّ عليه، “نعم، أحمل إنسانيتي”.
ad
***
وغنيٌّ عن القول إنّنا نُورِد هذه الأقوال، لكي ننتقِل بسرعة لنقول ونجزِم، ما أشبه اليوم بالأمس، فقد جاء حكيم الثورة الفلسطينيّة وضميرها الراحل الباقي، الدكتور جورج حبش ليقول لنا ولجميع الشعوب المُستضعفة في كلّ بقعةٍ على وجه هذه البسيطة إنّ “أمريكا كانت وما زالت وستبقى رأس الأفعى”، تقتل مباشرةً أوْ بحروب الإنابة، كلّ شعبٍ توّاقٍ للحريّة، كالشعب العربيّ-الفلسطينيّ، الذي يتعرّض لحرب إبادةٍ جماعيّةٍ في قطاع غزّة منذ حوالي عشرة أشهر، من قبل آلة الحرب الإسرائيليّة، التي تتلقّى الدعم العسكريّ والسياسيّ من واشنطن، أيْ أنّ هذه الحرب تدخل في إطار السياسة الخارجيّة الأمريكيّة القاضية بتصفية القضية الفلسطينيّة، وهي أعدل قضية على مرّ التاريخ الإنسانيّ.
***
أمّا البروفيسور اليهوديّ-الأمريكيّ جيفري ساكس، وهو من أشهر الاقتصاديين في العالم وأكثرهم تأثيرًا، فقال مؤخرًا في لقاءٍ مع صحيفة (هآرتس) العبريّة إنّ إسرائيل تقوم بعملية إبادةٍ جماعيّةٍ وتطهيرٍ عرقيٍّ في قطاع غزّة، لافتًا في الوقت عينه إلى أنّ ما يجري في القطاع هو مذبحة بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ لعشرات آلاف المدنيين الفلسطينيين، على حدّ تعبيره.
وكشف ساكس النقاب عن أنّ إسرائيل ليست قادرةً على مواصلة حربها على غزّة حتى لعدّة أيّامٍ دون السلاح الأمريكيّ، “ولذا فإنّ أمريكا شريكة في الجريمة، وأرى أنّه في المنظومة السياسيّة الإسرائيليّة، حتى في اليسار، هناك مَنْ يؤمن بأنّ القساوة هي السبيل الوحيد لترتيب الأمور، وهذه الرؤية أدّت لفسادٍ وتلفٍ أخلاقيين في إسرائيل، وهناك الكثير في الكيان الذين لا يُفرّقون بين الخطوات من أجل الأمن وبين ارتكاب المجازر الجماعيّة ضدّ الفلسطينيين”.
وفي معرض ردّه على سؤال الصحيفة العبريّة قال إنّ “المبدأ الذي يُوجِّه السياسة الخارجيّة الأمريكيّة هو المصالح الاقتصاديّة والعسكريّة والأخرى، واشنطن قامت بتعيين ديكتاتوريين وقتلة في الحكم.. ومنذ العام 1947 كانت أمريكا متورطةً في 80 محاولة انقلاب وتغيير الأنظمة الحاكمة في العالم، وقامت بذلك حتى ضدّ رؤساءٍ انتُخبوا بشكلٍ ديمقراطيٍّ، لا توجد لديهم قيم، بل مصالح”.
***
وهنا المكان وهذا الزمان للتطرّق للمسرحيّة الهزليّة التي تجري مرّةً في قطر وتارةً في مصر، بقيادة واشنطن، لإبرام صفقة التبادل بين الكيان العدوانيّ وبين ممثل الضحيّة، أيْ حركة (حماس)، ويجِب قول الحقيقة دون رتوشٍ: المفاوضات، إنْ جاز التعبير، تجري دون تواجد التمثيل الفلسطينيّ، وكأنّنا كفلسطينيين بحاجةٍ لأوصياء علينا، هذه ليست مفاوضات، هذه محاولات عبثيّة لإطالة أمد حرب الإبادة بغطاءٍ عربيٍّ وأمريكيٍّ وغربيٍّ ومحاولة تصفية قضية الشعب العربيّ الفلسطينيّ، فلو كانت لدى أمريكا نيّةً في إنهاء الحرب لكانت فعلت ذلك فورًا ودون تأجيلٍ، أمّا ما يُسّمى بالأزمة بين واشنطن وتل أبيب، فهي نكتة ليست مبكيّة، بلْ تُجسِّد الكوميديا السوداء والعدل التراجيديّ، وتؤكِّد للمرّة بعد المليون أنّ الولايات المُتحدّة تُعادي الشعوب التي تُعاني من الاستكبار والاستعلاء والظلم، وتستخدِم أدواتها في الشرق الأوسط وخارجه لتطبيق هذه السياسة الشيطانيّة.
***
إسرائيل، يا عرب ويا مسلمين، هي بالنسبة لواشنطن أحد أهّم المشاريع الإمبرياليّة في المنطقة، وتُستخدَم لإثارة الفتن والقلاقل وإذكاء الخلافات بين الناطقين بالضاد، فيما تُستثمَر إيران لتكون الفزاعّة التي تؤدّي لارتعاد الفرائض في الدول الخليجيّة، باعتبارها، بحسب الكيان وواشنطن، العدوّ المُشترك لهما وللدول العربيّة التي تدور في فلكهما، ومن هنا جاءت المحاولات لإقامة ناتو عربيّ-إسلاميٍّ لصدّ “الإرهاب” الإيرانيّ، الذي يُشكّل خطرًا على الأمن والسلم العالميين، كما تُردد واشنطن والببغاوات الغربيّة والعربيّة التي تُجبَر على السير وفق أوامرها ونزواتها.
***
الحقّ، الحقّ أقول لكم/ن، رغم جهودي الحثيثة ومتابعتي للأحداث لم أجِد سببًا مقنعًا لـ “وساطة” القاهرة والدوحة فيما يُطلَق عليها مفاوضات تبادل الأسرى، الشهيد إسماعيل هنيّة كان يُفاوِض بشكلٍ غيرُ مباشرٍ، فقامت إسرائيل باغتياله، فبحقّ جميع الأنبياء، كيف يُمكِن أنْ تُفاوِض مُتهمّين بمحكمة الجنايات الدوليّة في لاهاي بارتكاب جرائم حربٍ، وهمّهم الوحيد إطلاق سراح رهائنهم المحتجزين لدى المقاومة الفلسطينيّة في قطاع غزّة؟ منذ متى كان الجلّاد يُفاوِض الضحيّة على استسلامها وخنوعها وخضوعها؟ والمُريب أنّ “المفاوضات” تجري فيما تُواصِل آلة الحرب الإسرائيليّة قتل النساء والأطفال والمُسّنين الفلسطينيين في قطاع غزّة على مدار الساعة، وبأسلحةٍ أمريكيّةٍ مُحرّمةٍ دوليًا، دون حسيبٍ أوْ رقيبٍ.
***
على الجهة الأخرى، يحيى السنوار، يؤكِّد المُحلِّل روغِل ألفِر في (هآرتس) العبريّة، هو “لاعب شطرنجٍ بارعٍ أذلّ إسرائيل، حيث يرى عدّة خطواتٍ إلى الأمام، ويقوم بإخفاء أهدافه ورغباته بشكلٍ ممتازٍ، وعندها فإنّك لا تعلم أبدًا كيف تتلّقى الضربة منه، وهذا الأمر هو عمليًا يعتبر إذلالاً لإسرائيل، التي تشعر بالعمى… إنّه يتفوّق على جميع قادة الكيان من سياسيين وعسكريين”. أمّا السياسيٌّ الإسرائيليّ، إيلي غولدشميت، فقال مُوجِهًا حديثه لنتنياهو: “السنوار ابن المُخيّم هزمك نهائيًا بحرب الأدمغة وجعلك تُرابًا ورمادًا وأضحوكةً لأنّه أذكى منكَ بعشرات المرّات، لن تُوقِّع على الصفقة إلّا باغتياله لاسترداد كرامتك”، طبقًا له.
***
ونُنهي بالقول إنّه إذا وقّع نتنياهو على الصفقة فإنّ المشهد سيكون صورة الانتصار الفلسطينيّ على إسرائيل وأمريكا والدول العربيّة والإسلاميّة المُتحالفة معهما سرًا وعلانيّة، ولا غضاضة بالتذكير في الختام بمقولة الحكيم جورج حبش: “إسرائيل ليست أقوى من أمريكا والشعب الفلسطينيّ ليس أضعف من شعب فيتنام”.
*كاتبٌ فلسطيني.
العالم أجمل دون سيطرة رأس الأفعى!
