خــالد شــحام*
على مر الشهور الماضية حاولت عدة مرات التسلل من معبر رفح هروبا من غزة للكتابة في موضوع علمي أو اجتماعي أو أيا يكن ، لكنني كما ترون حبيسٌ معكم في الخيام ومع الهائمين على وجوههم ولا زلت أشعر بالجوع منذ شهور طويلة والبثور تملأ جلدي الكالح ، طرأت في بالي فكرة الهروب عبر أحد أنفاق غزة الأسطورية للنفاذ إلى حيز آخر من الزمان والمكان ، ولكنني وجدت في نهاية كل الدهاليز أن غزة مشتبكة بكل شيء في هذا العالم ، وكلما وصلت نهاية دهليز أكتشف بأنني عدت إلى غزة مهمــا حاولت .
لا اعلم من أي موضع يمكن لحديث الكَبَد أن يبدأ ، لكن الفارس عندما يخسر صولته تصبح كل أفعاله نقائص وكل منجزاته مذمـةً عليه ، هذا هو حالنا اليوم في كل عواصم الحكم العربي ، حيث تتهاوى الإنجازات وتفقد طعمها بعد خذلان غزة ، لم يعد من إنجاز له معنى أو موقع من المسيرة سوى مزيد من تراكمات الهزائم والخسائر اليومية الصغيرة ، معظم الإنجازات أصبحت صغائر في ظل الهزيمة والانبطاح والتخلي عن غزة وقضايا الأمــة.
لأيام خلت سافرت مساءا مع التعب لحضور احتفالية لإحدى الجامعات العربية ، وعلى شرف السخرية اُلقِيت المحاضراتُ والندوات والتهليلات و التطبيلات وتم الاحتفاء بالانجازات ، كان الاحتفال كالعادة جرعةً من الكذب على الذات مع مورفين التعليم العالي ، كان الطلاب هم القرابين وضمير الأمة مسجى على مذبح الزيف ، أما غزة فكانت البخور الذي يُحرق بمعية تقديم القرابين لتضفي جو الجدية في أيام المزاح والضحك على النفس حتى الموت ، لقد تم تدجين ونفخ هذه الفعاليات الصغيرة لتسد مكان الهزائم الكبيرة ، فيما انا جالس وسط الحفل كنت أدرك تماما بأن كل ما أراه أمامي الان ، إن هو إلا صنعية بعيدة المدى من مشتقات خديعة أحداث 11 أيلول التي حلت ذكراها قبل أيام عندما عبثت بالتعليم العربي وفرضت عليه أن يكون (مكافحا للإرهاب ) فكان ما كان .
أتحداكم جميعا بأن يأتي أحدكم بأي حدث أو مناسبة أو حفل أو فاعلية رسمية في أية عاصمة عربية – إلا من رحم الله – ويثبت لنا بأنها ليست زيفا وقشورا وتكلفا ، أو يثبت لنا بأنها شيء وطني أو ذو نفع أو مردود أخلاقي أو ذو صلة بالتحديات التي تواجهنا جميعا مثل سيل جارف لا يرحم ، في ظل النكوص والخذلان من الأنظمة العربية للقضايا الكبيرة وعلى رأسها غزة تفرخت مستويات الفشل ليرقص الكل في العتمة ، تحولت كل فاعلية رسمية إلى مناسبة للبهدلة وقِلَّة القيمة الوطنية في ظل فراغات لا يشفيها إلا غــزة ، مناسبات لإحياء طقوس الزولو ولكن بطريقة تجمع الردح مع الرخص مع أحدث التقنيات والبذخ العصري وكريمــا الكذب البيضاء السميكة على وجه قالب حلوى الاحتفاليات مهما كان مسماها ، لقد تحولت كل احتفالية عربية رسمية وطنية إلى مناسبة للفحص السريري بأننا لا زلنا نقبع في كهف التخلف الحضاري ، هنالك جيوش كاملة تحرس هذا الحال وتحرص على أن نبقى فيه حتى مع كل أشكال الحداثة المزيفة جيدا والتي ساهمت في إنزالنا درجات أكثر في هاوية الحاضر والمستقبل ، لقد تحول كل مهرجان وكل احتفال تربوي أو علمي أو طربي أو حتى انتخاب رئيس إلى موسم للتزاوج بين الردة ومنتجات الوساخة الرقمية التي تتم ترجمتها إلى أفعال آدمية حتى فقدنا عقولنا ، لقد تحولت كل مباراة ، كل عرس وطني ، كل احتفال ، كل عيد إسلامي أو قومي إلى مناسبة لتضخيم فقاعة الصابون التي يحتفظ بها كل نظام عربي جيدا ويحاول ربطها بالحبال بشتى السبل لمنعها من الفقع وتلطيخ وجوهنا بأوساخها السوداء المحتقنة منذ عشرات السنين .
لا أعلم ما هي الانجازات التي تتكلم عنها الجامعات وما هو نوع التحصيل العلمي الأكاديمي ونحن نجتر قَشَّ العلوم ثم نبصقه ثم نعيد مضغه ؟ لا أعلم ما هو الذكاء الصناعي الذي يتم تسويقه ودعم الاقبال عليه ونحن مثل البدوية في الخيمة التي تم إهداؤها الهاتف الخلوي من الجيل الخامس كي تمارس فيه التشات والسبع الموبقات ؟ لا أعلم ما هو الجيل الذي خرجته الجامعة ويتم وصفه بالمبدع والمجتهد والمنتج وهم كلهم عاطلون عن العمل وأسواقهم تئن من ألم البطالة والفشل والخسران وتمت برمجتهم على الترهل والكسل والخذلان المسبق ؟ أي جيل هذا والأنظمة نزعت الأشواك الحادة من رجولة الأجيال ومسحت حقها في كل شيء ومسختها إلى كائنات دقيقة ؟ ماذا بقي للشعوب بعدما تم تجليخ وحف القوى المجتمعية وازيلت منها الأسنان وجُعِلت ناعمة على اليد الاسرائيلية عندما تتحسس مجتمعاتنا ؟ تعالوا آخذكم إلى معامل الصين أو بنغلاديش أو الهند أو باكستان لتشاهدوا ما هو الشباب المنتج في ظروف أشد فقرا وأضعف حالا ، تعالوا معي لأريكم كيف تنتج المرأة والشابة الآسيوية عشرات أضعاف ما تفعله خريجة الجامعة العربية ، تعالوا معي لأريكم ماذا تفعل الجامعات في هذه البلاد وكيف تجمع مستقبل البلاد مع العلم والوطنية والمواطنة الصالحة وقارنوا ذلك بما تفعله جامعات التطبيل والتقديس وعبادة الأصنام والتقوقع الحضاري والعلمي والصناعي ، إنني أتألم على شبابنا وشاباتنا لأنني موقن بأنهم أقدر من كل العالم .
فلنترك التعليم ودعوني أصحبكم لمشاهدة مباراة في عاصمة عربية واحكموا بأنفسكم على صنعية الأنظمة مع قطعان الأوباش التي لا أعلم من أين تتناسل ولا كيف تمت صناعتها ، فلنذهب معا إلى مهرجان غنائي على أحد الشواطىء أو إحدى المدن العربية ولننظر ونتأمل في قطعان يأجوج ومأجوج الجنسية التي رباها الحكم العربي ولنحاول أن نفهم لماذا لا يجيب أحد صيحات الاستغاثة من غزة .
هذه المشاهد تقتلنا كل مرة وفي كل مناسبة ، لم أعد قادرا على ابتلاع الغربة المريرة التي نبتلعها كل يوم مثل حبوب مكافحة إلتهاب الحلق ، أعترف لكم بأنني أعيش في منفى كامل وبأني تحولت إلى تلك المسميات التي تُطلق على المتحفظين أمثالي من نوع ديناصور أو كائن متحجر أو قلادة زرقاء من تلك المعلقة منعا للحسد ، نعم لقد أصبحت خارجا عن القانون وغادرت الفلك المشحون ولم أعد متأكدا من أنني أنا الصواب أم أن الدنيا تغيرت وصرت مع الخوالف .
لقد صار من المسلمات بأن كل مظهر حداثي يتم إدخاله إلى هذه العواصم تتم ترجمته إلى متعلقات الشيطان ومصالحه في ظل بيئة عامة من الجهل المغلف بالحداثة والانحطاط والانسلاخ عن الهوية العربية والإسلامية ، كل تقنية ، كل هاتف ذكي ، كل شاشة تلفاز ، كل سيارة حديثة ، كل سرعة مضافة الى الانترنت تحولت إلى سلالم للنزول هرولةً نحو القاع المظلم الرطب من بئر البذاءة والوضاعة الحضارية ونهش لحم الناس لبعضها البعض مع أنظمة سعيدة جدا بهذا الحساء الفاسد والتزاوج الباطل ، كيف يمكن لغزة المسكينة أن ينجدها أحد من المحطمين أوالغارقين أوالمتخمين والمتنعمين ؟ أية وطنية وقومية وهوية يمكن البحث عنها في سلال المشتريات وطوابير المقبلين على التسوق وافتراس المعيشة ولعق حذاء الحياة مثل كائن البزاق ، ما هي مهمة التربية والتعليم وكيف وصلنا إلى هنا ؟
في كل هذه العواصم هنالك منهجية عاملة وشاغلة لخلق إنسان ليس بإنسان ولصناعة شعوب تبدو بأنها شعوب ، في معظم هذه العواصم تحول الاقتصاد بعلومه وفنونه وتهجينه مع السياسة إلى إزميل لنحت طبقات فقيرة بالغة البؤس وبالغة السقوط وفاقدة للآدمية ، بدلا من إزميل شق الطريق وبناء الجامعة والمستشفى ودور العلم وتربية الشباب ، في عواصم الردة هنالك طوفان من المال والجهد والأجهزة التي تعمل ليل نهار لخلق طبقة من الشباب ، طبقة عدمية عبثية فاسدة مفسدة تعيش مثل الأبواغ في ظلمات الغناء والطرب والجنس والطعام والرحلات والمسرات فيما الأمــة تغرق في دمائها ويمتنع الجيل عن سماع صراخ الإستغاثة لغشاوة على بصيرته وسمعه ، في عواصم الفشل وجمهوريات العسل المغشوش هنالك منهجية قائمة على نزع الآدمية تحت شعار الفلس الاقتصادي وبمعية الفلس الاقتصادي يتم نزع الدواء والغذاء وفرض الغلاء والبلاء لصناعة مجتمعات وكتل سكنية بشرية لا تختلف عن القوارض إلا في وجود الذنب ، في هذه العواصم يتم إطعام الناس الطعام الفاسد والهواء الفاسد والماء الفاسد كي تتحول لحومهم إلى شيء فاسد وسلوكهم إلى شيء مثل رائحة المجارير وأفكارهم إلى عفن وحياتهم إلى شــقاء أو مكابدة .
في الوقت الذي تخوض فيه كتائب المقاومة الفلسطينية معركة المصير لكل أمة العرب والإسلام في خرابات غـزة وبين الركام ، هنالك كتائب اسرائيلية دائرة وعاملة في كل عاصمة عربية لصناعة الفقر والجهل والبذاءة والسفالة بكل أبعادها وتفرعاتها التربوية والعلمية والمعيشية وإفساد حياة الشعوب وليس من الضروري أن يكون اسمها الكتيبة 8200 ، هنالك معارك خفية على المواطن العربي لتحويله إلى كائن زاحف يبحث في شقوق الحياة عن الخبز والسكر والزيت والعلاج والمسكن والتعليم وعزله عما يحدث لهذه الأمة ، هنالك معارك سرية ناعمة تجري لتفريغ كل مؤسسة وطنية ، وكل عمود قوة ، وكل حبل نجــاة من مضمونه الصاعد ونكسه نحو الوراء ، إذا لم تستيقظ الشعوب فإن العواقب تمشي وفقا لمتوالية مالتوس اللعوبة ، الخراب يغشى كل المنظومات والخطر الكبير معشش وعظيم ، الغريب في الأمر أن هذه الكتائب المعمرة تزداد هجمتها في تناسب طردي على الشعوب العربية والتعليم وشؤون الحياة والإعلام والصحافة كلما برزت ظاهرة المقاومة العربية في مكان ما ، وتشتد الهجمة على المناهج والتعليم وقطاع الجامعات كلما ظهر شخص من فئة محمد صلاح أو ماهر الجازي .
على الرغم من كل الالام والجراح تجود صحراء هذه الحياة أحيانا برشفة صغيرة من بلسم تنتشر في الجسد المتعب مثل الماء البارد لتعيد إحياءه ، هذا ما فعله بنا جميعا البطل ماهر الجازي شهيد الأمـة ، ويبدو أن البلسم يجر وراءه مثله أو أكثر ، استمعت إلى مقطع الشيخ أبو سالم الصخري متكلما عن الحويطات في عزاء الشهيد ماهر ، كلمة نافذة في كل أوعية الزمان والمكان وتساوي ملأها ذهبا وكنوزا ، كلمة حطمت أصناما لا تعد ولا تحصى وأثبتت الأصل الذي نسيه الكل ، كلمة كنا نتأمل أن نسمعها من زعيم عربي أو جنرال من جيوش العروبة ، كسرت كل متتاليات التخريب المزروع وأعلنت أن سنوات التضليل والتغشية التي يلعب بها العدو في شعوبنا ذهبت هباءا وأن هذه الشعوب لا تزال تحمل الوفاء والجوهر ، سنقبل جبينك يا أيها الأردني العظيم يا ابن الأصل والتاريخ لأنني أعلم أن امثالك ومن هم على عهدك سيعيدون كل شيء إلى موضعه الصحيح وسيكون أبناؤنا بخير ومستقبلنا بخير ما دام أمثالكم حاضرون .
هل تعرفون ما هو الشيء الذي يعيد الإتزان لهذه العواصم المشقلبة ؟ هل تعرفون ما هو الشيء الذي يعيد التعليم إلى موقعه الصحيح ويعيد الزراعة والصناعة والسياسة والتجارة والاقتصاد إلى موضعها الصحيح في بلاد العرب ؟ هل تعرفون ما هو الشيء الذي يواجه الحضارة المتوحشة التي نهبت العراق ودمرته والتي تفعل نفس الشيء في بلادنا في غزة ؟ إنها روح المقاومة فقط ! المقاومة العربية الإسلامية التي تستند إلى النموذج الأخلاقي والإنساني والسوي من الفكر والثقافة وأساليب إدارة النظم والحيــاة بعيدا عن لوث التبعية والاستعارة والتقليد والانبطاح للغرب والشرق ، إنها المقاومة التي ستعيد إلى صغارنا مستقبلهم وحياتهم وتؤهلهم لأن يكونوا علماءا ومفكرين وصانعي تاريخ ، إنها الأساطير التي تقاتل باستماتة في خرابات غزة وأخرى من مثل ماهرالجازي ومحمد صلاح ، هؤلاء وأمثالهم فقط من يعيد الحياة العربية إلى مجراها الصحيح لتكون أمة العرب خير أمة اخرجت للعالمين ، أمثال هؤلاء فقط الذين يتوالدون من صحراء اليأس وبعد احتباس المطر ليكسروا كل متتاليات التخريب ويوقفوا هندسة الضياع ، وهذا ما سيكون عليه الحال شاء من شاء وأبى من أبى ، والنصر للمقاومة ..
*كاتب فلسطيني
متتاليات التخريب وهندسة الضياع!
