علي الزعتري*
القدامى مِنَّا يعرفون مهنةَ المجبر وارتباط الناس بها في مرحلة ما قبل انتشار الطب والأطباء. لم أستخدمْ خدماتهُ و قليلٌ ممن أعرف فعلوا. كان للمجبر مهمةَ تصحيح الكسور وتليين العضلات المتصلبة باستخدام أدوات بسيطة مما تجود فيه الطبيعة والذكاء البشري من العصا لزيت الزيتون والجبيرةِ العجينية. وقد يلجأ المجبر إن استعصى هذا العلاج إلى كسر العظم لتجبيرهِ بمكانه الصحيح، دون أشعةَ إكس، سوى النظرة والخبرة، ووجع المريض الآمل. من زارهُ إما حمدَهُ و إما زارَ غيرهُ وإما اقتنع بالذهاب لطبيب، لأن عندهُ كان آخر العلاج الكي. أما اليوم فاختفى التجبير الشعبي مثلما اختفى الكَيّ وفي كليهما ألَمٌ فرضتهُ ظروف الحياة.
تذكرت المُجَّبِر وأنا بألمٍ يتخاذلُ أمامهُ الأمل أرى أرذلَ خلق الله النتن ياهو يتكلم في بيتِ الشيطان الكنيست قبل التصويت على مقاطعة الأنروا. قال كلاماً موجعاً عن التطبيع القادم وإعادة تشكيل المنطقة وعن خسارات المقاومة واليوم التالي للحرب في غزة ولبنان و ما وراء الصحاري. قال ما يؤلمُ حقاً و تذكرت عندها حديثاً عن المجبرِ عندما يكسر العظام ليعالجها، لكن سيان ما بين الاثنين، فالنتن يكسر عظام المنطقة ليعيد تشكيلها عوجاء عرجاء يهوديةً والمجبر كان يكسر ليعالج بحسن النية. ثم سألتُ نفسي، وهل لم تكن سايكس پيكو و رسم الحدود على أنقاض الدولة العثمانية و سيل اللعاب للمكتسبات الجديدة إلا تكسيراً يهودي المقصد؟ بدأ تكسير العظام رسمياً بوعد بلفور ثم دخلنا المنطقة المكسورة بالتقسيم البريطاني الفرنسي أساساً والمتوافق عليه أوروبياً وأمريكياً منذ ١٩١٩ وكلما حاول عظمها الالتئام وُجِدَ من يكسرهُ لكي يبقى كسيحاً. قالها مؤخراً الأمير الحسن بن طلال. قالَ ما معناه أن سايكس پيكو جزَّئتنا ونحن اليوم نزيدُ في تفتيتها بأيدينا. فما هو التفتيت وما الذي يريده النتن من كسرنا مرةً إضافيةً وتجبيرنا بطريقتهِ ولماذا نعطيه ما يريد؟
إن أَبْلَغَ تعبيرٍ عربيٍّ عن الكسرِ في عالمنا، بعد سايكس پيكو وسنواتٍ من رفض الصهيوني، هو في افتراق الحكم عن الناس جرَّاء التطبيع الرسمي مع الصهيونية وإجبار الشعوب أن تقبلَ هذا التطبيع واقعاً لن يختفي مهما فعلت إسرائيل. معظم أفراد الشعوب التي لجأت حكوماتها للسلام وللتطبيع ترفضهُ لكن أيَّاً منها لم ينجح في رَدِّ التطبيعِ لحالةِ العداء. بل أن بعضاً قليلاً من الشعوب وجد في التطبيع فرصةً للعمل والتجارة فالحدود والأجواء منفتحة والاتفاقيات وضعت إسرائيل شريكاً طبيعياً في التعامل، فلماذا إضاعةَ الفرصة؟ مِن هؤلاء مَن أنشأَ ثروةً من وراء التعاون مع العدو وأغلبهم يجنون الفتات ولا يجدُ الثريُّ فيها عيباً ولا الفقير أو أنهم يتناسونها لأن ما باليد حيلة. أنظروا للعمالة الفلسطينية بأثريائها وفقرائها الذين يتعاملون مع العدو بحكم التواجد و الضرورة أو بحكم الفرصة. وتجاوزت بعض الحكومات التطبيع البارد للتطبيع الساخن بعقدِ اتفاقياتٍ ما كانت لتبرمها مع شقيقٍ فإذا بها تفتح البوابات لها مع الصهيونية. وزادت عيار التطبيع بعض حكومات لِحَدِّ إشهار التلازم الديني وجَرَّتْ معه الثقافة والفنون اليهودية المتصهينة على اعتبار أننا أبناء عمومة فكانت كمن يصب ملح البارود في الجروح المفتوحة والويلُ لمن يعترض. شهيةَ النتن و شهيةَ واشنطن المُنتِنةَ، فاعلةً و مفعولاً بها، هي في مزيد التطبيع مع من تبقى. ومن بقِيَ؟ جوهرة تاج التطبيع هي السعودية تليها العراق وسوريا ولبنان والكويت وعودةً لقطر وليمنٍ خالٍ من المقاومة. في شمال إفريقيا هي الجزائر و تليها تونس وليبيا وعودةً لموريتانيا ثم عودةً للسودان، وجيبوتي والصومال تحصيل حاصل. مقعدٌ في الجامعة العربية؟ لِمَ لا؟ سيحصل. بل ربما تتغير إسماً وجوهراً لتصبح جامعة التسامح والمحبة الأبراهيمية. منطقة الشرق الأوسط سترى إسرائيل تقودها باختيارها وذلك من رعبها (رعبنا الرسمي) من القوة الصهيونية التي نسفت غزة وبيروت وصور وبعلبك وقرى الجنوب طاحنةً العظم واللحم ولم تجد من يوقفها من العرب سوى محاولة المقاومة المستميتة. وشتان ما بين قنبلة الألف كيلوغرام الذكية الخارقة للطوابق وصواريخ متواضعةً تتصارع لإسقاطها القبب الحديدية حتى قبل أن تصل لهدفها الصهيوني. و شتان ما بين جيوش عربية واستعراضاتٍ ومناوراتٍ وبين جيشٍ من رعاع الدنيا يكتسح فلا يجد جندياً عربياً واحداً يعترضه. وشتان ما بين حليفٍ أرسلَ مئاتِ الناقلات الجوية والبحرية أسلحةً وذخيرةً و محاربين (أمريكا)، ومن استطلع من الجو لصالح إسرائيل (بريطانيا) ومن برر لها قتل المدنيين (ألمانيا)، وحليفٍ قرر أن لا يقاتل، وإن ضربَ أو ضُرِبَ فبتفاهمٍ مِسبقٍ (فهمكم كفاية!). إن نحنُ الذين تنقصنا المعلومات و نحاول أن نفهم مما نرى ونسمع نستنتج هذا فما بالكم بمنظومةٍ صهيونيةٍ تحميها واشنطن وتطبطبُ عليها أوروبا و تسمع دبيب النمل بالبيوت ويعطيها العربي الرسمي الغطاء التطبيعي خوفاً و أملاً.
النتن يريد والمؤشراتُ تقولُ أنه سيحصل علينا أرضاً وعقوداً و شعوباً حلوبةً للثمالة تحكمها سلطاتٌ لا تود إزعاجه أو من ينوب عنه في رئاسةِ المسخ الصهيوني و ستفعل ما يُطلب منها ويُفرضُ عليها لإسعاده والصهيونية. و لِمَ لا؟ لِمَ نستغرب و نستنكر و نحن نحصد ما زُرِعَ ببلادنا منذ باتت كياناتٍ “مستقلة”؟ لماذا انجرفنا نحو التطبيع هو سؤالٌ يحتاج إجابةً أكثرَ تفصيلاً من إجابات “الوجبات السريعة”! لماذا لا تقف دولنا مع المقاومة ضدهُ؟ لماذا هذا الافتراق بين الحاكم والمحكوم في مسألةِ فلسطين والاحتلال الصهيوني المتمدد والصريح في رغبته ابتلاعنا؟ متى وهل سنصحو، هذا إن اعترفنا أننا نائمين؟
أستغربُ من إصرار العرب على الدولتين الذي أصبح محض هراء. إنه استجداءٌ من ضعيفٍ لقويٍّ يعرف أنه يستطيع كسر الضعيف كيف و متى يريد. والفضيحة أن يقول عربيٌّ أن التطبيعَ والعلاقات تأتي بعد الدولتين والاعتراف بفلسطين. هل من شكٍّ بعد الذي فعلته إسرائيل أنها ستقف؟ لا أدري كيف يفكر المسؤول العربي.
لستُ حزبياً ولا طوائفياً و ولا شعوبياً وعروبتي تمتد في انتماءها من غربنا للشرق و لكن ألمي بعمق الانتماء مكسورٌ من ذلة العرب. في شأننا يذبحني القهر. وأقول اللهم هوِّن علينا نوائب الدهر.
*كاتب اردني ودبلوماسي أُممي سابق
المُجَّبِرْ والمُدَّمِرْ!
