اليمن الحر الأخباري

خواطر مسافرة …. الحقبة “الترامبية” !

بقلم/ فيصل مكرم*

تلك هي الديمقراطية في أمريكا، ليس فيها ما يبعثُ على الدهشة، وفيها من التعقيد والغرابة والإثارة ما يبعث على الإعجاب بعراقتها وطرائق التزام الأمريكيين بقواعدها وتقاليدها، ليس على الرئيس بايدن -أو نائبته هاريس التي سقطت في الانتخابات، ولا حتى الحزب الديمقراطي- الحديثُ عن مخاوفهم من تبعات الفوز التاريخي للرئيس ترامب خلال السنوات الأربع القادمة للحزب الجمهوري، التي ستكون «ترامبية» بامتياز، ذلك أن الرئيس ترامب وإدارته الجديدة، هُما من يتحمل مسؤولية الثقة التي منحها الشعب الأمريكي لرئيسه الجديد، الذي وصل إلى المكتب البيضاوي بأصوات الناخب الأمريكي، ومن خلال صناديق الاقتصاد التي عبر إليها من «أقفاص الاتهام» أمام عديد محاكم أمريكا خلال سنوات، ما ساعده في استعادة قوته كمنافس شرس وضع لنفسه هدفَ العودة من جديد إلى مكتبه البيضاوي الذي يقولُ: إن بايدن والديمقراطيين سرقوه منه في انتخابات 2020، عبر تزوير تلك النتائج الانتخابية وليس العالم العربي، وليست الصين ولا إيران ولا روسيا ولا أوروبا هي من انتخبت ترامب، وإلا لكانت النتائج على غير ما انتهت إليه، وإنما هو الشعب الأمريكي الذي يفكر غالبيته بمتطلباته المعيشية الحياتية والحصول على فرص العمل والامتيازات والخدمات دون تعقيد وبحكم انتمائه للبلد الأول -عالميًا- بالإضافة إلى مزاج الناخب الأمريكي الذي انحاز إلى «كاريزما دونالد ترامب» رجل المفاجأة الذي يهتم بنفسه جيدًا، فهو رجل تتوقع منه أي شيء غير مألوف، ومنذ انتخابه رئيسًا في الدورة الأولى قبل نحو ثماني سنوات مرورًا بمعاناته من الدوران على المحاكم الأمريكية خلال رئاسة جو بايدن، وحتى انتصاره التاريخي على مرشحة الضرورة للحزب الديمقراطي كامالا هاريس، واستحواذ الجمهوريين على الأغلبية الكاسحة لمجلسي الكونجرس، وأصبح ترامب صاحب القرار الأوحد في البيت الأبيض والآمر الناهي للحزب الجمهوري والرجل الذي لا يقال له: «لا» ، ولا يقبل بكلمة «لا» في قاموسه، وبات على كل الجمهوريين إظهار الطاعة المُطلقة لترامب وتأييد الأفكار والبرامج والقرارات الترامبية خلال أربع سنوات قادمة، فيما سينزوي الديمقراطيون في زاوية الترقب والتربص بالرجل وهفواته ومفاجآته، يعتقد ترامب بأنه خُلق ليكون رئيسًا لأكبر دولة في العالم، ولم تكن سنوات رئاسته الأولى كافية لتحقيق مايريد هو، لا ما يريد حزبه ولا الشعب الأمريكي، وبالتالي ماحققه خلال أربع سنوات خارج البيت الأبيض كان مُذهلًا، جعل منه الرجل الذي لا يمكن كسرُه أو تجاوز أحلامه وطموحاته بسهولة، وفي السياق أدعو المنظومة السياسية الحاكمة في الوطن العربي إلى التقليل من توقعاتها الإيجابية لما ستأتي به سنوات ترامب الجديدة في البيت الأبيض، خاصة ما يتعلق بالقضية الفلسطينية -إن بقي منها مايهمهم- فترامب أعلن مبكرًا وقبل أيام عن معظم أعضاء إدارته الجديدة وهم بالطبع من صقور المحافظين الجدد، ممن لا يحملون أدنى تعاطف مع الشعب الفلسطيني، وحقه في الحياة وإقامة دولته على أرضه، فهم مع إسرائيل ومع كل مايراه حكام إسرائيل في مصلحتهم ومصلحة كيانهم في التوسع الجغرافي وينكرون وجود فلسطين وشعب فلسطين، وبالتالي سيكون على الفلسطينيين والدول العربية مواجهة سنوات ترامب العجاف بأقل الخسائر المُمكنة لجهة حل الدولتين، وتحقيق سلام عادل في المنطقة والشرق الأوسط، فخلال السنوات الأربع القادمة لا عدالة تتحقق لا يقبلُ بها ترامب وصقور إدارته، ما لم تحدث اختراقات عابرة للقارات في المصالح بين الدول الكبرى، تعيد بعض التوازنات والقليل من العقلانية لجهة التعاطي مع الملفات الساخنة والقضايا الشائكة المثيرة لقلق العالم، ومخاوف سكان الأرض من تَدَحرُج كرة الثلج على الجميع، وبالتالي -وأنا استبعد ذلك- ربما يأتي ترامب بحلول شبه سحرية لمشاكل العالم -كما يقول وكما يؤكد- كونه رجل أعمال متمرس، قبل أن يصبح رئيسًا يتوجس العالم من ردود فعله ومن أفعاله على حدٍ سواء، ولا يوجد من حوله من يعارض أو يطلب منه التريث في المواقف واتخاذ القرارات الحاسمة، فالرئيس ترامب هو «الكل في الكل» في المكتب البيضاوي وفي الحزب الجمهوري، وهذه طفرة سياسية لم تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تتمدد سطوة الآباء المؤسسين للولايات المتحدة ودستورها كما هو حال الرئيس ترامب اليوم، ومع ذلك يبقى للسياسة دهاليزها وصفقاتها وقنواتها الخلفية لتمرير المصالح والمُقايضة بالصفقات المُمكنة، ولعل العالم العربي يمتلك الكثير من الأوراق التي يمكن من خلالها التعاطي مع إدارة ترامب الجديدة، خاصة أن الولايات المُتحدة الأمريكية تتعاطى مع منطقة الشرق الأوسط منذ عقود طويلة بنوع من الارتباك وعدم الثبات حيث تعتمد على ربط مصالحها في هذه المنطقة بمصالح إسرائيل ورغباتها ومشروعها الإجرامي الذي تمارسه بحق الشعب الفلسطيني كل يوم، ولابد أن يتوقف الرئيس ترامب -هنا تحديدًا- عند نقطة تتعلق بمصالح أمريكا بشيء من التوازن والعقلانية، بما لا يتجاهل مصالح الآخرين في مقابل الانصياع المطلق لكيان مُحتل، متمرد على قرارات الشرعية الدولية، ويرتكب جرائم إبادة بحق شعب يستحق الحياة إذ من شأن استمرار واشنطن في الإنجرار لرغبات إسرائيل -ومنحها الحصانة من المحاسبة على جرائمها- أن ينتقص من مكانة أمريكا على رأس النظام العالمي الجديد، ويجعل منها شريكًا فيما يتعرض له الفلسطينيون من إبادة وتجويع وتهجير وتدمير، وهو ما يتناقض مع أبسط قواعد العدالة الإنسانية التي يتأسس عليها النظام الدولي الراهن أو ما سيأتي على أطلاله مستقبلًا.
*نقلا عن جريدة الراية

fmukaram@gmail.com

@fmukaram

Exit mobile version