خالد شــحام*
أعترف لكم بأنني لم أعد أنا الذي أعرفه بعد سنة من طوفان الأقصى ، لقد نسيت وجهي في مرآة ما قبل سنةٍ ولم أعد أحفل ، نعم اعترف بأنني تغيرت وتغيرت ملامح وجهي وقسمات عقلي وشاب زماني غصبا عني و مثلي منكم كثير.
غزة العظيمة ، امبراطورية الكرامة العربية الإسلامية دفعت بهذا التغير إلى أقصى حدوده ، كلنا في أسطورة غزة أصبحنا مثل الصبي الصغير الذي يلهو في ممر العمر ثم شاءت الأقدار أن يُتَوفى أبوه قبل أن يشتد عوده ، فأُجبِر على أن يَكبر بسرعة وينضج بسرعة ، نعم لقد دفعتنا غزة لنكبر عشرا سنين سببا ، ولا ندري من أمرنا شيئا ، ومن لم يتغير فهو خارج مملكة الحيــاة أو يعيش عبثــا وعدمــا ، نعم لقد تغيرت ، غيرتني الاكفان البيضاء التي لا تفارق منامي كل يوم ،غيرني عدد الشهداء الصادم الذي يحدثني في المنام سربا ، غيرتني عيون هؤلاء الأطفال اليتامى المحدقة في الظلام وألقتني في البحر عجبــا ، غيرني الجوع والمياه الآسنة والخيام الممزقة وماء الشرب المالح ، غيرني الطحين الأسود الممزوج بالدم الطاهر ، غيرني روح الروح ووجه الأم النائمة بلا صحو ، غيرتني مدرسة الاونروا الزرقاء ذات الألفي نازح بلا ماء ولا غذاء ولا نظافة ولا دفء ولا شيء ، غيرني مشهد القاء المعونات الساخرة الهابطة من الطائرات الضاحكة ، تمرغت في سنوات صاعدة مثل لمح البصر وكبرت وأنا أشاهد هذا البطل الذي يضرب النار بالنار من فوق الركام ، غيرتني شهب النار اللبنانية التي تحلق كل يوم إلى الأرض المقدسة كي نتمكن من التنفس في كل قارة البؤس المصابة باللعنة ، غيرني هذا ابن اليمن البطل الذي أعاد لي وجهي العربي بعدما استحييت من كل الوجوه ، لم اعد اعرف كيف ارجع الى نفسي ولم يعد من المقدر نزول الحفر مرة أخرى .
في الحقيقة أحتاج رزمة من المقالات كي أكتب لكم عما فعلته بنا غزة لأن هذا الدرس هو خلاصة كل هذه الحياة التي عشتها ، لكنني سأؤجل ذلك إلى ما بعد إعلان الانتصار على جيوش الظلام والخراب ، سأكتب لكم عن الولادة الجديدة التي صنعتها غزة في كل منا ، في كل فهمنا ووعينا وبصرنا وبصيرتنا ، لقد كنا عميانا لكن غزة منحتنا البصر ، كنا أسفارا تذروها الرياح لكن غزة جمعتها وحاكت لنا من سنابل الحقول معاطف تقينا برد العرب ، لقد كنت يتيما فآوى وطريدا فاهتدى ، غزة يا منارة الزمان وجوهرة الشرق والغرب ماذا فعلت بنا ؟ ، يا أهل غزة المرابطين على الدم والألم أنتم أنبياء المرحلة وصحابة السفر وحكاية القرية الناجية التي سيخسف الله الأرض لأجلها .
هل تعرفون ما هو الشيء الآخر الذي غيرني لأكون وجها من حجر أو حبات رمل تلفح بها الريح ؟ إنها أنظمة الحكم العربي النزيهة والعادلة والأمينة ، هذه الأنظمة التي أظهرت ما لا يمكن حسبانه ولا حسابه ، هؤلاء الذين التهموا أعمارنا ، نعم سادتي لقد صنعوا مني سكينا من صوان ، ورمحــا من يَشَب ، وفتيلَ زيتٍ توقد في طرفه جذوة اللهب ليكون ذات حقبة قذيفة من نار أو علامة استفهام في مسألة .
آخر فصول التغيير التي أعاني معها عسرة الانقلاب هي حكاية قادة حماس المساكين ، حفنة من المجاهدين الذين يطوفون بلاد العالم فلا يجدون أحدا ولا مكانا في غمرة الطوفان إلا اللؤم والنكران وانسحاب البلاط ، حفنةٌ من الرجال ضاقت عليهم بلاد العرب بما رحبت وضاقت عليهم المؤامرات بما كسبت ، أين تذهبون يا قادة حماس من لؤم الأخوة وكلاحة الوجوه الشاحبة ؟ أين تذهبون في صقيع الجفاء ومستنقعات النكران ؟ هل تختارون الربع الفارغ أم النصف اليابس أم كل القارة الجرداء ؟ أين تذهبون ونتانياهو ينتظركم في كل مكان ؟ أليس من بعض الشرف يا أمة المليار ؟ هل ضاقت الأرض عليكم بما رحبت يا رجال الزمان الأوفياء ؟ ما هي تهمتكم في بلاد الضاد الكافرة ؟ ماذا فعلتم لهم كي يوصدوا عليكم كل الأبواب ويقفلوا في وجوهكم كل المطارات ؟ أين تذهبون وهي ترمي بشررٍ كالقصر ؟ أين تذهبون وقد أغلق النهران وعدنان والفيضان ؟ أين يذهب الشرف الرفيع الا الى اهله ؟ أين الشرف العربي إلا اليمن ؟ أين كرامة العرب إلا اليمن ؟ عشت أيها اليمني وطابت أرضك وطاب بك التاريخ .
الحقيقة المريرة يا سادتي ذات الطعم اللاذع التي لا يريد أحد أن يشاهدها ، أن قادة المقاومة قد اقتحموا كل عواصم الاستعباد وسكنوا كل بيت وكل قلب ، لقد ورثوا الأرض واستحلوا قلوب الشرفاء من عرب ومن عجم رغما عن أنف حلف الشيطان ، كل هذه الأرض لكم وكل هذا العالم ينخفض لكم ويبايعكم على الشرف والكرامة ، كل شعوب العرب تحتضنكم وتؤيدكم وتسعد بلقياكم ولو قدر لأي عربي في رقعة البؤس لاستضافكم في بيته حبا وكرما ، الحقيقة المريرة يا سادتي انه إن كان من أحد قد ضاقت به الأرض بما رحبت فهم هذه العصابة المجرمة التي يقودها منحرف سادي تحول الان إلى مطلوب في أكثر من مائة دولة ومطلوب رأسه من كل شعوب العالم وقريبا سيضاف إليه ثلة أخرى من الشركاء وتتسع دائرة المطاردة ، من ضاقت عليه الأرض بما رحبت هو هذا (الشعب ) الدموي المنحرف و على كل فرد منهم حتى لو كان يقيم وسط الحماية والحراسة ولو قيضت له كل جيوش الأرض ، كل مدينة في العالم أمست تلعن هؤلاء وتريد الاقتصاص منهم وكل مدينة وأهلها يتربصون بهم للاقتصاص منهم على فداحة جرائمهم ودمويتهم ، لقد أصبحوا موضعا للكره والنفور من كل الإنسانية ، كل شباب الأرض تحولوا الى مقاومين لهؤلاء الحثالة القتلة شاربي الدماء ، لا تحفلوا أيها المقاومون حتى لو أغلقت الأنظمة الأندلسية بوابات المزارع والقصور والمطارات ، لا تحفلوا بالمعابر العاهرة التي فتحت على أوسعها لأعداء الأمة واغلقت في وجه شرفاء الأمة ، لقد خلق الشرفاء لكي لا يكون لهم مقر في مدن التطبيع أو قرى الاستعباد أو سدوم الجديدة ، لقد خلق الشرفاء لتكون القلوب مقراتهم وكل ساحات الأرض ، أما أنت أيها اليمن العظيم فقد اخترت طواعية مكانتك العالية في قلوب العرب والعالم والتاريخ .
*كاتب فلسطيني
من هو الذي ضاقت عليه الأرض.. قيادات المقاومة أم قتلة الأطفال؟
